الخطاب الذكوري في الإعلام السوري يعيد إنتاج التهميش مجدداً

زينه عبدي

لا شك، أن البلاد الخارجة من الحرب تواجَه بمرحلة انتقالية تمتد لفترة زمنية محددة، ولكن هنا سؤال يطرح نفسه في خضم التغيرات المرافقة ليس فقط ضمن الأطر القانونية والدستورية والسياسية للمرحلة، بل يمتد ليشمل واحدة من أبرز التحديات البنيوية المتعلقة بطبيعة الخطاب الذي سيدير عملية البناء وهنا نخص بالذكر سوريا الجديدة:

هل سيبرز الخطاب الجامع والحاضن لقيم العدالة والمساواة، أم أنه سيكون مجرد عملية إعادة إنتاج ذات الذهنية السابقة المهمشة لأوسع شريحة من المجتمع السوري؟

في الحالة السورية، نلاحظ أن الخطاب الذكوري يطفو وبشدة على السطح، خطاب يحتضن الاختزال المتعمد لدور المرأة وتهميشه ما أمكن رغم حضورها القوي والفعال على مدى أربعة عشر عاماً من الصراعات والنزاعات وسفك الدماء. المرحلة الانتقالية، باعتقادي، هي فرصة حقيقية ليس فقط لإعادة بناء الدولة، وإنما للحد من التنميط المتوارث المرفق بالمخاطر على المرأة وأبرزها هو إعادة بناء الهيمنة الذكورية ولكن بأدوات جديدة بدلا من إفساح المجال أمامها للعب دورها الحقيقي في صناعة القرار والتغيير معاً.

خلال الحرب وبعدها

كبقية المجتمعات الشرقية، دخل المجتمع السوري حالة الصراع ويحمل في باطنه منظومة قيم ذكورية متأصلة في العقول والعادات التي كرست صورة الذكر بوصفه العنصر الرئيسي والقائد للمرأة والعائلة والمجتمع، ما أدى إلى التقليل من شأن المرأة ودورها وبالتالي إضعافها لا سيما سياسيا وإبعادها عن مراكز صنع القرار، وهذا من شأنه نسف كل ما يدعو للمساواة وخلق حالة من التوازن بين الجنسين. لا ننسى أنه قبل بداية الثورة السورية أعاد الإعلام الرسمي التابع للحكومة السورية آنذاك إنتاج هذه العملية بصورة دائمة سواءً عبر المناهج التعليمية أو الفن أو حتى المحتوى الإعلامي نفسه (المرئي – المسموع –المطبوع) وخلال السنوات الأخيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أججت من هذا الخطاب وباتت مرآة تعكس الهيمنة الذكورية بدلا من كسرها.

بعد عام 2011 جاءت الحرب لتضاعف الخطاب الذكوري عبر تغليب صورة ذاك المدافع عن البلاد وترسيخ البطولة والقيادة الذكورية وربطها بالقوة والشجاعة. ولعب عامل الاستغلال لنسبة كبيرة من النساء، اللواتي كُن المعيلات لعائلاتهن وأسرهن، واعتبارهن حالة مؤقتة واستثنائية لا حالة دائمة عبر الخطاب الإعلامي والسياسي الذَين كانا منحازاين بسبب وجود عدة أطراف متصارعة، ومعظمها اعتمدت لغة الإقصاء والتهميش بلغة تبريرية أشد بشاعة من الفعل بعينه كأن نقول هن علامات شرف أو ضحية تستوجب حمايتها، وهذا ما رسخ الصورة النمطية عن المرأة بشكل أوسع وعزز الخطاب الذكوري بطرق ممنهجة أشد تعنيفاً.

خلال الحرب السورية، برزت المرأة كقوة فاعلة حقيقية لعبت دورها بشكل مباشر داخل التنظيم والسياسة والعمل والأسرة والتعليم، وأظهرت صورة النساء السوريات الفاعلات وقدرتهن على ممارسة كافة الأدوار بأعلى المستويات، لكن مسألة العودة إلى الحالة الطبيعية باتت مسيطرة من جديد لا سيما عبر الخطابات السياسية والمحتوى الإعلامي وكافة البرامج المتعلقة بإعادة إعمار سوريا، جميعها تفتقر إلى رؤية تعزز التوازن الجندري، الأمر الذي يكرس الثقافة الذكورية ويتيح المجال ليكون الرجال وحدهم القوة الفاعلة على الأرض دون النساء، وبالتالي إعادة إنتاج خطابات ذكورية أشد قساوة وشراسة.

من المفترض أن تأتي المرحلة الانتقالية كمعالج لهذا الخطاب الذكوري، وتعمل على تمثيل حقيقي لكلا الطرفين عبر الانفتاح على القيم المثلى المتمثلة بالمواطنة والعدالة التي تفتقر إليها سوريا لحد الآن، إلا أن اللغة الذكورية والممارسات التي تنتهجها العقلية التقليدية للمجتمع تفرغها من محتواها إطلاقاً، بل وبات عائقا رئيسيا لعملية الانتقال والمسار الديمقراطي في سوريا. لن يكون هناك تمثيلاً حقيقيا فاعلا مالم يُقضى على هذا الخطاب وهذه اللغة المنقوصة مهما وُضِعت دساتير وقوانين وعقود اجتماعية للبلاد.

الخطاب الإعلامي

يشكل الإعلام المرآة الأولى للمجتمع لا سيما في ظل المرحلة الانتقالية. ويمكن أن يلعب دوره في إعادة بلورة الهوية الشاملة من خلال لغة أكثر شمولية معززة للتوازن الجندري، والتركيز على التمثيل الحقيقي، فقد برزت معظم المنابر متمثلة، لا سيما الرسمية منها، بفئة الرجال وعلى وجه الخصوص داخل مراكز صنع القرار كمحللين ومتحدثين رسميين وممثلين ومحاورين، إلا أن الحالة كان تفتقروبشدة للحضور النسائي بل وبقي ضمن إطار محدود كما السابق.

لم تغطى قضايا النساء خلال المرحلة الانتقالية الحالية كورقة سياسية مركزية في الأجندات الإعلامية، بل عوملت كملف ثانوي عوضا عن كونه محوراً مفصليا من طاولات الحوار الدائرة حول العدالة الانتقالية ومسار العملية السياسية والدستور.

لا زلنا نلاحظ غياب اللغة الجندرية ويتم الاعتماد على مصطلحات تشير للرجل دون المرأة مثل المدافع والبطل، بينما توصف المرأة بالأم والضحية والصبورة، وهذا يؤكد على إعادة إنتاج الثنائية الذكورية بعينها. خلال المرحلة الانتقالية برزت مبادرات تقودها نساء ومبادرات أخرى نسوية على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أنها همشت إعلاميا ولم يغطها الإعلام بطرق متوازنة بل وفي بعض الأحايين كانت تهاجم بحجة الاعتداء على القيم وفرض معتقدات بعيدة عن الدين الإسلامي بل وتشويه صورته. هذا يعني أن الإعلام لم يكسر بنية هذا الخطاب الذكوري، بل كان عاكسا للتنميط ذاته السائد قبل وبعد الحرب.

بعض المنصات الإعلامية ذات الطابع المستقل والنسوي قدمت صورة بديلة للمرأة على أنها صانعة التغيير عبر حكايات وقصص المرأة القيادية والناشطة في مجالات السياسة والإعلام وكذلك في المجال المدني والقانون والإنساني. وفرت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة كافية للمرأة للتعبير بمنأى عن أية قيود مؤسسية، حيث أطلقت حملات مناصرة ضد التعنيف والتهميش والإقصاء، ما أدى للحد من الخطابات الذكورية العنيفة رغم مهاجمتها من الذباب الإلكتروني والتنمر عليها بغية القضاء على الصوت النسائي الفاعل.

وأخيراً، أود القول أن الخطاب الذكوري في ظل المرحلة الانتقالية ليس بالإرث الثقافي فقط، وإنما تحدٍ شرس وحقيقي أمام عملية البناء وتحقيق مجتمع يرتكز على العدل والمساواة لتعزيز التوازن الجندري. وإن استمرت الهيمنة في الخطاب الذكوري داخل مسار العملية السياسية والصحافة والإعلام وحتى ضمن الأطر المجتمعية كافة، فإن ذلك سيولد حالة من الضعف مهما بلغت أعمال الإصلاح ذروتها. والتحدي الحقيقي الذي نواجهه حاليا هو إضعاف هذا الخطاب ولا سيما عبر الإعلام الذي نعتبره أداة للتمثيل الحقيقي لا الشكلي، وحينها ستتحول المرحلة الانتقالية من مرحلة إعادة إنتاج الهيمنة الذكورية إلى فرصة حقيقية للبناء يشمل كامل الجغرافيا السورية بفردها ومجتمعها بإنصاف تام.

قد يعجبك ايضا