صوت البارتي
في مسار الأحداث السورية المعقدة تقدم التجربة التركية مثالاً صارخاً على تقلبات السياسة الخارجية وكيف تتحول التحالفات إلى أوراق تفاوض عابرة للمصالح. الشعب السوري عموماً والكورد على نحو خاص اكتشفوا أن الرهان على دعم إقليمي أو دولي من دون مشروع وطني مستقل لا يقود إلا إلى خيبات متتالية.
الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة الذي تشكل في البداية برعاية عربية وإقليمية وغربية بدا وكأنه البديل السياسي لنظام الأسد. ومعه تحركت فصائل مسلحة ربطت مصيرها بالدعم التركي. غير أن هذا الدور تراجع تدريجياً فتحول الائتلاف إلى جسم هامشي فيما اختفت الفصائل التي كانت يوماً واجهة عسكرية بعد أن فرضت الوقائع الميدانية والسياسية معادلات جديدة.
تركيا التي راهن عليها كثيرون أعادت رسم سياستها بما يخدم أولوياتها متخلية عن حلفائها كما فعلت مع حركة الإخوان المسلمين في مصر. ومع تعقّد الملف السوري وجدت أنقرة نفسها أقرب إلى التنسيق مع دمشق وطهران برعاية روسية حيث شكلت مسارات أستانا ومن بعدها سوتشي محطات أساسية لإعادة هندسة الصراع السوري. في هذه الصيغ الثلاثية جرى تقاسم مناطق النفوذ وفرض خطوط خفض التصعيد وتثبيت موازين جديدة أبعدت المعارضة عن المشهد بل ووجهت ضربة للمشروع الأمريكي الفرنسي المدعوم خليجياً والذي كان يرفع شعار الانتقال السياسي وفق مقررات جنيف.
هنا لا بد من التوضيح أن المرجعية الأممية كانت ولا تزال القرار 2254 الذي وضع إطاراً لوقف شامل للأعمال القتالية ومفاوضات دستورية وانتخابات بإشراف الأمم المتحدة. لكن هذا القرار بقي حبراً على ورق فيما فرضت التفاهمات الروسية والتركية والإيرانية وقائع مغايرة على الأرض.
في خضم هذا كله لم يكن الحركة السياسية الكوردية في سوريا أوفر حظاً من باقي قوى المعارضة. إذ وجد نفسه جزءاً من رهان تركي وقطري وإيراني وروسي سرعان ما انكفأ مع تبدل المصالح. وهكذا انكشفت حدود المراهنة على سياسات خارجية لا تنطلق من حقوق الشعب بل من حسابات النفوذ الإقليمي.
النتيجة أن جميع الوعود العربية والدولية تحولت إلى لقاءات وصور ومؤتمرات بلا أثر ملموس، بينما بقي الشعب السوري والكوردي أمام واقع أكثر قسوة. ومن هنا يفرض الدرس نفسه. كل من يراهن على الخارج على حساب مطالب الداخل يدفع ثمناً باهظاً وتكون النتائج وخيمة. فالمشروع الوطني المستقل وحده لا التحالفات المتقلبة هو الذي يمكن أن يحمي الحقوق ويصون الطلعات.
صوت البارتي
Dengê Partî