اللغة بين القهر والحرّية: أنطولوجيا الهُوية الكوردية

ليستِ اللغة مجرّد أداة للتواصل، اللغة عنصر أنطولوجي، ينهض بوظيفة تأسيسية في بناء الهُوية. فالهُوية، باعتبارها نسيجاً متعدّد الخيوط، لا تكتمل إلا بخيط اللغة، الذي يمنحها وحدتها الداخلية، إذ تمكّن الذات من الظهور في العالم، وتمنح الجماعة أفقاً للتاريخ والذاكرة. بهذا المعنى، تكون اللغة شرط لإمكان وجود الهُوية، فهي المسكن الذي تسكن فيه الذات وجودها، كما يقول هايدغر: «اللغة بيت الكينونة».

تنتمي اللغة الكوردية إلى العائلة الهندو – أوروبية، لكنها ليست فقط انتماءً جغرافياً محضاً، وأيضاً تمثّل لحظة أنطولوجية خاصّة في التاريخ البشري. تنوّع لهجاتها – الكرمانجية، السورانية، الهورامية، والزازية – ليس تشظّياً، إنما تعدّدية وجودية تعبّر عن اتّساع أفق التجربة الكوردية. لقد استطاعتِ الكوردية أن تحافظ على جوهرها عبر قرون من القمع والطمس، لتثبت أن الكينونة اللغوية تمتلك قدرة داخلية على المقاومة والبقاء. إن وصفها بأنها لغة «رشيقة، شعرية، نابضة، وفية» ليس وصفاً جمالياً فحسب، هو اعتراف بفعلها الميتافيزيقي؛ قدرتها على إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم في صورة شعرية دائمة التجدّد.

إن العلاقة بين اللغة والهُوية في الأدب الكوردي، تكشف عن إشكالية فلسفية بالغة العمق. لماذا يكتب بعض الأدباء الكورد بغير لغتهم الأمّ؟ أهو قصور في الكوردية عن التعبير، أم افتتان بلغة الآخر، التي تفرض نفسها كرمز للتحضّر والهيمنة، أم أن المسألة قدر تاريخي فرضته سياقات القمع والإقصاء؟ الانتماء القومي واللغوي أهو مسألة خيار حرّ، أم أنه ارتباط وجودي لا يمكن الفُكاك منه دون خسارة جوهر الذات؟ بمعنى آخر، هل يمكن للمرء أن يتخلّى عن لغته الأمّ، ويظلّ مع ذلك منتمياً لهويته القومية؟ إلى أيّ مدى يمكن للكاتب المقموع لغوياً أن يتحرّر عبر لغة جلّاده؟ وهل يمكن للإبداع أن يكون وسيلة مقاومة رغم استخدام أدوات القامع؟ أيكفي الانتماء العاطفي أو الثقافي لتعويض الانفصال اللغوي، أم أن اللغة الأمّ تظلّ المعبّر الوحيد إلى جوهر الأنا؟ والكتابة بلغة الآخر شرط للوصول إليه، أم خطر على نقاء الهُوية الثقافية؟

هذه الأسئلة تكشف جدلية الحرّية والقهر في اختيار اللغة. فالكتابة بلغة الآخر قد تبدو انقطاعاً عن الجذور، لكنها من زاوية أخرى شكل من أشكال المقاومة الرمزية اللغوية؛ هي خندقنا الأخير، مساحة صمودنا الوحيدة؛ إذ تتحوّل اللغة الأجنبية إلى مرآة تعكس المأساة الكوردية للعالم.

إن الأدباء الكورد الذين كتبوا بالعربية أو التركية أو الفارسية لم يكونوا دوماً متماهين مع لغة القاهر، لقد جعلوا منها أداة لكشف الوجه الحضاري للشعب الكوردي، وإعادة تقديم هُويته للآخرين.

فإذا كانتِ الهُوية الكوردية قد تلقّت ضربات تاريخية متكرّرة، فإن اللغة بقيت صمّام الأمان الأخير لوجودها. فحتى حين يكتب الكورد بلغات أخرى، تبقى الكوردية كامنة في لاوعي النصّ، كأصل أنطولوجي يتخفّى خلف الكلمات. الهُوية هنا ليست معطى ثابتاً، إنها سيرورة جدلية بين الذات ولغتها، بين الكينونة وما يترجمها في العالم. إن التحدّي الأكبر يكمن في أن تحافظ الكوردية على وظيفتها الأنطولوجية كبيت للهُوية، وفي الوقت نفسه تنفتح على أفق إبستمولوجي، يتيح لها أن تستوعب معطيات العصر. بهذا المعنى، تظلّ اللغة الكوردية وسيلة للتعبير، وفضاء للحرّية، وذاكرة للوجود وشرطاً لأن يحيا الكورد كينونتهم في العالم.

إن ماهية العلاقة بين الهُوية واللغة، في التجربة الكوردية وفي الأدب الكوردي على نحو خاصّ، تظلّ سؤالاً أنطولوجياً وإشكالية إبستمولوجية معقّدة. فهي ليست مجرّد مسألة لسانية، وإنما انفتاح على عمق الوجود ذاته. وإن اختيار الأديب الكوردي للكتابة بغير لغته الأمّ لا يمكن أن يُفهم في أفق أحادي، فقد يكون تعبيراً عن عجز شعوري أو صعوبة في التماهي مع طاقة اللغة الأمّ، أو بحثاً عن فضاء أرحب من الحرّية التعبيرية في لغة أخرى؛ وقد يكون أيضاً انبهاراً بسلطة لغة القاهر، حيث تتحوّل لغة الهيمنة إلى صورة مثالية للتحضّر في المخيال الجمعي.

لكن، على مستوى أعمق، قد يكون الأمر خارجاً عن إرادة الكاتب ذاته، إذ يجد نفسه منقاداً إلى لغة لم يخترها اختياراً حرّاً؛ فهي فُرضت عليه بحكم السياقات التاريخية والسياسية والتعليمية. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هؤلاء الكتّاب، وهم يكتبون بلغة الآخر، يشتغلون في كثير من الأحيان على إعادة تعريف الهُوية الكوردية ذاتها؛ إذ يسعون إلى نقل الوعي الحضاري والمعاناة التاريخية والذاكرة الثقافية والفنّية الجمعية للشعب الكوردي إلى الآخرين، بل وحتى إلى الكورد أنفسهم، الذين كثيراً ما يتلقّون ثقافتهم بلسان غير لسانهم الأمّ.

هنا تتجلّى المفارقة الفلسفية، اللغة الأمّ، بوصفها بيت الهُوية، قد تُغَيَّب، لكن حضورها يتجلّى في لاوعي النصّ، كظلّ أنطولوجي لا يُمحى.

فالكتابة بلغة الآخر لا تعني بالضرورة خيانة للذات، الكتابة تكون ضرباً من المقاومة الرمزية؛ إذ تتحوّل اللغة المهيمنة إلى وسيلة لنقل المأساة الكوردية، وإلى جسر يربط الهُوية بفضاء كوني أوسع. ومن هنا يمكن أن نقرأ تجربة كتّاب كبار من أصول كوردية – مثل العلّامة أحمد تيمور باشا (فارس الكتابات اللغوية والمعجمية)، والشاعر أحمد شوقي (أمير الشعراء)، والمفكّر محمد كرد علي، وأيضاً الشاعر الشهير ومؤلّف كتاب «الشخصية المحمّدية» معروف الرصافي – كأمثلة على جدلية اللسان والهُوية، حيث تنكشف الهُوية الكوردية في مرايا لغات أخرى، لكنها تظلّ تبوح بأصلها الخفي الذي لا يُمحى.

وفي مقابل مَن يختار لغة الآخر بوصفها وسيلة للتعبير أو المقاومة الرمزية، يرفض آخرون الانخراط في هذا الخيار، معتبرين أنها لغة القمع والمنع والكبت. هؤلاء يرون أن التشبّث باللغة الأمّ، حتى في أقسى الظروف، هو فعل وجودي قبل أن يكون فعلاً ثقافياً؛ هو إعلان عن حضور الكينونة في فضاء التلاشي، ورفض للاستلاب الذي يُفرغ الهُوية من جوهرها. لذلك فإن كلّ مبرّرات الكتابة بلغة الآخر، سواء بحكم المدرسة أو الثقافة المكتسبة، تسقط أمام الحجّة الوجودية، هو أن الكائن لا يمكن أن يكون ذاته إلا في لغته التي تُجسِّد حضوره في العالم.

من هنا يتشظّى الموقف النقدي: هل تُدرج نصوص الكوردي المكتوبة بغير لغته الأمّ ضمن الأدب الكوردي أم تُقصى عنه؟ البعض يذهب إلى نفيها تماماً، مؤكّدين أن الأدب الكوردي لا يُسمّى كوردياً إلا إذا كُتب باللغة الكوردية نفسها؛ فالأدب هنا مشروط باللسان. والبعض الآخر يطرح تصوّراً مغايراً، أن النصّ المكتوب باللغة العربية – إذا حمل الذاكرة والصورة الكوردية – يظلّ في جوهره أدباً كوردياً؛ لأن الهُوية تكون لغة وكينونة متجسّدة في النصوص في آن واحد، مهما تغيّر اللسان الذي ينطق بها.

قد يعجبك ايضا