احمد زبير باني
يحتفل العالم في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر من كل عام بـ اليوم العالمي للديمقراطية، وهي فرصة لتجديد الالتزام بالقيم الإنسانية المشتركة المتمثلة في الحرية، وحق الشعوب في اختيار أنظمتها السياسية، وضمان العدالة والمساواة. وفي هذا السياق، يبرز إقليم كوردستان كنموذج متميز في الشرق الأوسط، حيث جسّد الشعب الكوردي مبادئ الديمقراطية من خلال نضاله الطويل وتضحياته الكبيرة وإيمانه الراسخ بحق تقرير المصير.
ثورة أيلول الكبرى وشعارها الخالد
في عام 1961، انطلقت ثورة أيلول الكبرى بقيادة الأب الروحي والزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني، لتفتح صفحة جديدة في التاريخ الكوردي. لم تكن الثورة مجرد حركة مسلحة، بل كانت مشروعاً سياسياً هدفه الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي ضمن عراق ديمقراطي حر.
وقد رفعت الثورة شعارها الخالد:
“الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان”
هذا الشعار جمع بين بعدين أساسيين:
•البعد الوطني العراقي: الدعوة إلى بناء عراق ديمقراطي يحترم حقوق جميع مكوناته.
•البعد القومي الكوردي: المطالبة بالحكم الذاتي باعتباره حقاً طبيعياً للشعب الكوردي.
الانتفاضة المباركة 1991: من الثورة إلى صناديق الاقتراع
بعد عقود من المعاناة، انتفض الشعب الكوردي في آذار 1991 ضد نظام الاستبداد، وتمكن من تحرير مدن كوردستان. وفي تلك اللحظة التاريخية، برز دور الرئيس مسعود البارزاني الذي دعا إلى تكريس الشرعية عبر انتخابات ديمقراطية حرة.
وبالفعل، شهد عام 1992 أول انتخابات برلمانية ورئاسية في كوردستان، لتصبح التجربة الكوردية من أوائل التجارب الديمقراطية في المنطقة. لقد كانت رسالة واضحة: “الشرعية تأتي من الشعب وصوته وحده.”
15 أيلول 2017: محطة تقرير المصير
يبقى 15 أيلول 2017 حدثاً مفصلياً في التاريخ الكوردي المعاصر، حيث صوّت برلمان كوردستان على إجراء الاستفتاء الشعبي لتقرير المصير.
كان هذا اليوم تتويجاً لعقود من النضال، وفرصة تاريخية للشعب الكوردي ليعبّر بشكل مباشر عن إرادته ومستقبله.
رغم التحديات الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية، شكّل الاستفتاء علامة فارقة في مسيرة الكورد نحو الحرية، وأكد تمسكهم بحقوقهم المشروعة ضمن إطار ديمقراطي سلمي.
ممارسات ديمقراطية راسخة
منذ أوائل التسعينيات وحتى اليوم، واصل إقليم كوردستان تعزيز الديمقراطية عبر:
•انتخابات دورية للبرلمان ورئاسة الإقليم.
•تعدد الأحزاب وحرية العمل السياسي.
•إعلام حر وصحافة مستقلة.
•حماية حقوق الأقليات القومية والدينية.
•دور المجتمع المدني في الرقابة والمساءلة.
كوردستان.. واحة ديمقراطية في الشرق الأوسط
في منطقة مليئة بالصراعات والتحديات، استطاع إقليم كوردستان أن يرسخ قيم الديمقراطية والتعايش السلمي، ليصبح نموذجاً يحتذى به للشعوب الطامحة إلى الحرية، ودليلاً على أن الديمقراطية يمكن أن تزدهر حتى في أصعب الظروف.
خاتمة
إن الاحتفال باليوم العالمي للديمقراطية يكتسب في كوردستان معنى خاصاً، لأنه يرتبط بتاريخ طويل من النضال والتضحيات، ولأنه يعكس إرادة أمة آمنت بأن الحرية والعدالة لا تتحققان إلا عبر الديمقراطية الحقيقية.
وكما قال الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني:
“لا كرامة لشعب بدون حرية.”
فمسيرة الكورد نحو الديمقراطية ستبقى شاهداً على قوة الشعوب حين تتمسك بحقوقها وتؤمن بمستقبل أفضل.