أربيل – التآخي
يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى استغلال قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” المقبلة، لتعزيز رصيده الدولي وترسيخ مكانة تركيا كلاعب جيوسياسي محوري، رغم الضغوط المتزايدة والانتقادات الدولية المتعلقة بملف الحريات السياسية في الداخل التركي قبيل الانتخابات الرئاسية.
وسيط في قلب التوترات
يرى محللون أن استضافة أنقرة للقمة المقررة يومي 7 و8 هذا الشهر، تمنحها فرصة ذهبية لتأكيد دورها كقوة إقليمية فاعلة وجسر تواصل بين الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة في ظل تصاعد التوترات العالمية. ويهدف أردوغان من خلال هذه المنصة إلى تقديم بلاده كـ”فاعل لا غنى عنه” في المنظومة الأمنية الأوروبية والدولية.
وتأتي هذه القمة في وقت عصيب بالنسبة لوحدة الحلف؛ إذ تعرضت تماسك “الناتو” لاختبار حقيقي عقب الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 شباط/ فبراير الماضي. ورغم الموقف التركي والأوروبي المعارض لهذه العمليات العسكرية، وهو ما أثار حفيظة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن الأخير سيحضر القمة في أنقرة إلى جانب أكثر من 30 قائداً عالمياً.
ثقل عسكري وموقع استراتيجي
تُعد تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، حجر زاوية في استراتيجية “الناتو” بوقوعها في ملتقى الطرق بين أوروبا والشرق الأوسط. وفي هذا السياق، يشير خبراء إلى أن القمة تذكّر الحلفاء بالدور التاريخي والمستقبلي لأنقرة منذ انضمامها عام 1952، ليس فقط داخل المنظومة الدفاعية، بل في إدارة الأزمات الإقليمية الكبرى.
تحديات وتوافقات براغماتية
على الرغم من فترات التوتر التي شابت العلاقات التركية-الأميركية، مثل ملف انضمام السويد وفنلندا، أو أزمة شراء منظومة الصواريخ الروسية “S-400” التي أدت لاستبعاد أنقرة من برنامج مقاتلات “F-35”، إلا أن العلاقة الشخصية الجيدة بين أردوغان وترامب ساهمت في إبقاء أبواب الحوار مفتوحة. ويرى مراقبون أن العلاقة تتجه حالياً نحو “مسار إيجابي” مدفوع بالمصالح المشتركة.
كما تمنح عضوية الناتو لتركيا “قوة ردع نهائية”، تسمح لها بإدارة علاقاتها المعقدة مع روسيا بمرونة أكبر، حيث تلعب أنقرة دوراً متوازناً في الحرب الأوكرانية، عبر دعم كييف عسكرياً مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع موسكو للوساطة الدبلوماسية.
الصمت الأوروبي والواقع الداخلي
تتزامن القمة مع موجة اضطرابات سياسية في تركيا عقب قرار قضائي بعزل زعيم المعارضة الرئيسي، وهو ما اعتبره خصوم أردوغان محاولة لتمهيد الطريق لانتخابات 2028. ومع ذلك، يلاحظ المحللون أن الحكومات الأوروبية آثرت الصمت تجاه هذه التطورات الداخلية، مفضلةً التعاون البراغماتي في مجالات الدفاع والأمن.
وفي المحصلة، تمثل هذه القمة لأردوغان مكسباً سياسياً مزدوجاً؛ فهي من جهة تعزز صورته كقائد “يدافع بقوة عن مصالح تركيا” أمام شعبه، ومن جهة أخرى تفرض واقعاً على الحلفاء بضرورة تخفيف القيود على قطاع الدفاع التركي وتعميق التعاون الصناعي مع أنقرة.