رحيل أيقونة الإذاعة الكوردية في بغداد… جمال برواري

فاضل علي

في لحظة حزينة على الوسط الإعلامي والثقافي في العراق وكوردستان، يودع الجميع الإعلامي والمذيع والأديب الكوردي جمال برواري، أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالإذاعة الكوردية في بغداد لعقود طويلة. رحل برواري تاركًا إرثًا إعلاميًا وإنسانيًا سيظل حيًا في ذاكرة المستمعين والفنانين والمثقفين الذين عرفوه.

من قرية ديرشكي إلى ميكروفون بغداد

وُلد جمال برواري في قرية ديرشكي بمنطقة برواري بالا على تخوم كوردستان تركيا. منذ طفولته، كان مفتونًا بالإذاعة الكوردية في بغداد؛ يكتب رسائل أهل قريته لطلبات الأغاني ويستمع بشغف إلى البث اليومي، ولم يكن يتخيّل أنّه سيجلس خلف الميكروفون نفسه يومًا ما.

انتقل برواري إلى الموصل ثم إلى بغداد لإكمال دراسته الجامعية في كلية الآداب – قسم اللغة الكوردية، وهناك أتيحت له فرصة العمل في الإذاعة الكوردية، فانطلقت مسيرته المهنية التي ستصبح لاحقًا علامة فارقة في الإعلام الكوردي.

الإذاعة الكوردية في بغداد… منبر الثقافة والهوية

بدأت الإذاعة الكوردية منتصف الخمسينيات ضمن بث إذاعة بغداد العربية لمدة 15 دقيقة فقط يوميًا، قبل أن تتحول عام 1960 إلى قسم مستقل، ثم إلى مديرية عامة بعد اتفاقية آذار 1970. توسع بثها ليصل إلى 20 ساعة يوميًا، وضمّت أقسامًا متعددة للبرامج الثقافية والاجتماعية والأطفال والفنون والموسيقى.

كانت الإذاعة الكوردية مدرسة ثقافية حقيقية؛ قدمت فنانين كبارًا، وساهمت في حفظ التراث الغنائي والفولكلوري الكوردي، وكانت نافذة الشعب الكوردي على الإعلام والصحافة في زمن شحّت فيه الوسائل الأخرى.

جمال برواري… صوت أصيل ورسالة واضحة

قدّم برواري برامج متنوعة نالت صدى واسعًا، وأسهم مع زملائه في إبراز فنانين وأدباء كبار أمثال محمد عارف جزراوي، حسن زيرك، علي مردان، طاهر توفيق، وتحسين طه. كما ساهم في إعداد برامج ثقافية واجتماعية هدفت إلى توعية المستمعين وتبسيط اللغة الكوردية ونشر الوعي القومي والثقافي.

أستاذ وداعم لجيل جديد

لم يكن برواري مجرد مذيع، بل مرشدًا ومساندًا لكثير من الإعلاميين والأدباء الشباب، ففتح أبواب الإذاعة أمامهم وشارك في تدريبهم وصقل مواهبهم، مؤمنًا بأن الإذاعة بيت للطاقات المبدعة وذاكرة شعب بأكمله.

أبرز برامجه وإنجازاته

تميز برواري بقدرته على تقديم البرامج الثقافية والاجتماعية بأسلوب سلس قريب من الناس، ومن أبرز برامجه:

برامج ثقافية وأدبية تناولت الأدب الكوردي وقصص التراث الشعبي، وأبرزت أعمال الأدباء والشعراء الشباب.

برامج فنية وموسيقية قدم من خلالها الأغاني التراثية والفولكلورية الكوردية، وكان صلة وصل بين الفنانين والجمهور.

برامج اجتماعية وتنموية ركزت على قضايا المجتمع الكوردي اليومية، وأسهمت في توعية المستمعين بالحقوق والثقافة المجتمعية.

كما عُرف برواري بروحه الإنسانية، فقد دعم زملاءه الإعلاميين والفنانين الجدد، وساهم في تدريب وتأهيل جيل كامل من المذيعين والمحررين الكورد، الذين صار كثير منهم اليوم في مواقع قيادية في كوردستان وخارجها.

رحيل وذاكرة باقية

برحيل جمال برواري، يفقد الإعلام الكوردي أحد أعمدته الذين ساهموا في بناء هوية الإذاعة الكوردية في بغداد، لكن صوته سيظل حاضرًا في ذاكرة المستمعين وطلبة الإعلام والأدب الذين نهلوا من خبرته. سيبقى مثالًا للإعلامي المثقف الذي حمل الميكروفون لخدمة الناس، ووضع بصمته في التاريخ الثقافي الكوردي.

📌 الخلاصة
رحيل جمال برواري لا يعني غياب صوت إذاعي فقط، بل نهاية مرحلة ذهبية من الإعلام الكردي في بغداد. ومع ذلك، يظل إرثه مدرسةً يستلهم منها الإعلاميون الشباب، واسمه رمزًا للصدق والوفاء والعمل الثقافي المخلص.

قد يعجبك ايضا