الجريمة في المجتمعات الانسانية والفقه الإسلامي

د. فكري عزيز السورجي

الجريمة ظاهرة تقع في المجتمعات الإنسانية، فالجريمة أولاً وقبل كل شيء حقيقة بشرية، وهي حصيلة عوامل ومؤثرات داخلية وخارجية اجتماعية ونفسية واقتصادية وغيرها من هذه العوامل والمؤثرات المختلفة.

وينصرف معنى المسؤولية على وجه العموم الى مفهوم المواخذة وتحمل التبعة، أو بمعنى أدق ان مصطلح المسؤولية يستخدم للدلالة على معنى التزام شخص بتحمل العواقب التي تترتب على سلوكه الذي ارتكبه مخالفًا به اصول أو قواعد معينة، ويستوي في ذلك ان يكون السلوك ايجابيًا أم سلبيًا، وقد يكون سلوكه مخالفا لواجب شرعي أو قانوني أو أخلاقي. فتكون المسؤولية على ثلاثة أنواع:

أولها شرعي يراد بها التزام الشخص بتحمل نتائج تصرفاته غير المشروعة المخالفة للأحكام الشرعية.

أو قانونية وذلك اذا خالف أحكام القواعد القانونية الأمرة النافذة، فتكون المسؤولية قانونية، تستتبع بالضرورة فرض جزاء قانوني تحدده السلطة المختصة في الدولة، فالقانون ليس الا تجسيدا للمسؤولية وتنظيما لأحكامها،

أما النوع الأخير فهو تحمل نتائج أفعاله التي يخالف فيها الثوابت المتعارف عليها في قواعد الاخلاق، فتوصف المسؤولية في هذه الحالة بانها مسؤولية أدبية، وتقتصر آثارها على ما تثيره من استهجان في نفوس أفراد المجتمع لذلك المسلك المخالف لقواعد الاخلاق.

ولم تتعرض أو التشريعات الجنائية، ومنها القانون العراقي لتعريف المسؤولية الجنائية تاركة ذلك للفقه، واكتفت في نصوصها برفع المسؤولية الجنائية عن فاقدي الإدراك أو الإرادة، كالمجنون والصغير غير المميز والمكره لعدم توافر الأهلية الجنائية التي هي ركيزة أساسية لقيام المسؤولية الجنائية، الا ان الفقه قد عرفها بتعاريف عديدة.

اذ تعرف المسؤولية بوجه عام بانها: (الالتزام بتحمل الجزاء الذي ترتبه القواعد كأثر للفعل الذي يمثل خروجا على احكامها)، أما المسؤولية الجنائية فقد عرفت بانها:(الالتزام بتحمل الاثار القانونية المترتبة على توافر أركان الجريمة، وموضع هذا الالتزام الجزائي فرض عقوبة أو تدبير احترازي حددهما المشرع الجزائي في حالة قيام مسؤولية اي شخص).

وتعرف أيضا بانها: (مجموعة الشروط التي تنشئ عن الجريمة لوما شخصياً موجهاً ضد الفاعل، وهذه الشروط تظهر الفعل من الناحية القانونية على انه تعبير مرفوض لشخصية الفاعل)، أو هي :(تحميل الإنسان نتيجة أعماله ومحاسبته عليها لأنها تصدر منه عن إدراك لمعناها ولنتائجها وعن أرادة منه لها).

أما المسؤولية الجنائية في الفقه الاسلامي فلا تختلف في معناها عما هو في القانون، على الرغم من عدم استخدام فقهاء الشريعة الاسلامية لفظ المسؤولية واستخدامهم لفظ تحمل التبعة أو أهلية الشخص لتوقيع العقوبة عليه، اذ ان المسؤولية الجنائية في الفقه الاسلامي هي عبارة عن (الالتزام بتحمل النتائج المترتبة على توافر أركان الجريمة).

أو هي (تحمل الانسان نتائج الافعال المحرمة التي يأتيها مختاراً وهو مدرك لمعانيها ونتائجها فمن أتى فعلا محرماً وهو لا يريده كالمكره أو المغمى عليه لا يسأل جنائياً عن فعله، ومن أتى فعلاً محرماً وهو يريده ولكنه لا يدرك معناه كالطفل أو المجنون لا يسأل عن فعله)

وقد رجح الفقه الإسلامي تعريف الجريمة بانها:(الجريمة هي محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو قصاص أو تعزير).

قد يعجبك ايضا