د. أيوب صابر گلالي
مما لا شك فيه أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني يعد اليوم من أكبر التجمعات السياسية الحزبية على مستوى العراق ككل، فقد فاز في انتخابات النيابية العراقية في تشرين الأول من عام 2021 بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية كحزب فردي، حيث بلغ عدد مقاعده 32 مقعداً، ويتمتع الحزب اليوم برؤى وأهداف استراتيجية واضحة، سواء على المستوى القومي أو الوطني، أو على المستويين الإقليمي والدولي.
في كوردستان الشرقية وفي ظل جو من التوتر والتصادمات بين الجيش الإيراني وجيش جمهورية كوردستان والوضع غير المستقر في مهاباد عاصمة الجمهورية، لم تثنِ لجنة الحرية (ليژنةي ئازادي) التي أسَّسها البارزاني الخالد مع رفاقه من الضباط الأحرار، والذين اتفقوا ورضوا جميعاً بأن تكون اللجنة برئاسته ووضعوا لها منهاجاً راسخاً للعمل يركز على التفكير بمصير وتطور الحركة الكوردية في كوردستان العراق ، ومن جانب آخر فإن الظروف الذاتية والموضوعية في كوردستان العراق حتمت بدورها إنشاء حزب طليعي ديمقراطي له برنامجه ونظامه الداخلي، بحيث ينسجم مع المرحلة الجديدة لحركة التحرر الكوردية في العراق، الذي سيجمع في صفوفه جميع الديمقراطيين والوطنيين ويقود الشعب الكوردي في العراق نحو تحقيق أهدافه.
كان تأسيس حزب سياسي مثل الپارتي في كوردستان العراق أمر ضروري بل كان في غاية الضرورة لذلك وبعد المداولات والتحليل العميق لأوضاع المنطقة قرر مصطفى البارزاني ورفاقه من الضباط وأعضاء لجنة الحرية تأسيس حزب في كوردستان العراق بحيث يتماشى مع تطلعات وآمال شعب كوردستان، وتم وضع أساس لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردي في أول اجتماع له مع رفاقه ومن ثم جرت تسمية هؤلاء أعضاءً للهيئة التأسيسية، وقد تمت في هذا الاجتماع محاولة تثبيت أول برنامج ومنهاج داخلي للحزب.
بعد دراسة مسهبة للوضع القائم قرر مصطفى البارزاني مع رفاق دربه تأسيس حزب ديمقراطي كوردستاني في العراق يضطلع بمهام المرحلة الراهنة وفق المتغيرات الجديدة بحيث تتوافق أهدافه مع تطلعات الجماهير، وتبلورت الفكرة في أواخر شهر شباط من العام 1946، ووضعوا اللبنات الأولى والأساسية لما دُعي فيما بعد بالحزب الديمقراطي الكوردي في العراق، أو كما عُرف حتى الآن بـ(الپارتي)،
وبناءً على توصية من مصطفى البارزاني نفسه وبحضور سبعين مندوباً من الشخصيات الكوردية في كوردستان
انعقد المؤتمر الأول بشكل سري في منزل سعيد فهيم في بغداد في السادس عشر من آب 1946 وانتخب مصطفى البارزاني رئيساً للحزب، الذي اضطلع بمهامه النضالية والتاريخية وقاد جماهير كوردستان والحركة التحررية الكوردية في أحلك مراحلها.
وبسبب الفترة الحساسة التي كانت تمر بها جمهورية كوردستان في إيران ولكي لا تتعرض للتهديد من دول المنطقة قرر مصطفى البارزاني ورفاقه نقل تأسيس الحزب ونشاطاته مباشرة إلى كوردستان العراق، وكان هناك حزبان سياسيان باسم (شوَرش ورزگاري) قد قررا حل حزبيهما وانعقدا مؤتمريهما لهذا الغرض وقررا الانضمام إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
لقد ظل الحزب الديمقراطي الكوردستاني دوماً حزباً صامداً ومقاوماً رغم العديد من المؤامرات والدسائس التي حيكــت ضده؛ ولو كانت هناك أي قوة أخرى واجهت كل هذه المؤامرات وخاضت كل هذه الصعاب التي تحاك ضدها لكانت في وضع مختلف لم يكن يحسدها عليه أحد، أو ربما لم تكن موجودة أصلا الآن على الساحة، لكن بفضل إرادة ومقاومة جماهير شعب كوردستان وقوات الپيشمرگة استطاع التغلب على كل هذه العقبات والمؤامرات.
وقد يتساءل المرء: ما سر كل هذا الصمود والانتصارات للحزب الديمقراطي الكوردستاني؟ أو ما هو هذا السحر الذي جعل حزباً عمره 79 عاماً ينمو ويعلو يوماً بعد يوم، بينما تتلاشى وتضمحل أحزاب ومنظمات أخرى واحدة تلو الأخرى، والأمثلة كثيرة في هذا الصدد؟
نستطيع القول ان هناك ثلاثة أسباب رئيسة جعلت حزب الديمقراطي الكوردستاني يبقى دائماً في قمة انتصاراته مستمراً في تحقيق الإنجازات التاريخية:
أولاً: كاريزمائية الرئيس مسعود بارزاني، فمن الواضح أن مسعود بارزاني قد حمل السلاح والتحق بصفوف قوات الپيشمرگة منذ بداية شبابه عندما كان عمره 16 عاماً، وقام بأداء جميع واجباته بكل تفانٍ وإخلاص، وبدا انعكاس صفات وخصال وكاريزمائية البارزاني الأب واضحةً في خططه وأعماله، صبوراً في أوقات الشدة والانتكاسات، قوياً وثابتًاً خلال المحن ومواجهة الأعداء.
إن قرب الرئيس مسعود بارزاني من جماهير شعب كوردستان واهتمامـــه الكبير بمعاناتهم ومشاكلهم جعله دائماً محط تقديرهم واحترامهم، لذا اتخذوه قائداً ومرجعاً يُقتدى به أثناء الأوقات الصعبة والأزمات.
إن قيادة الرئيس مسعود بارزاني الحرب ضد الإرهاب وانتصاره فيها يشهد على أنه كان دائماً مهتماً بمعاناة وهموم شعب كوردستــان وقدّم الكثير من أجل هذا الهدف، وكذلك مركزية القرارات التي اتخذتها قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني من جانب والمرجعية العليا للرئيس مسعود بارزاني جعلت استمرار الحزب الديمقراطي الكوردستاني قويًا يواصل الصعود كقوة جماهيرية قوية على الساحة السياسية.
ثانياً: كثرة الكوادر الشابة داخل كيــــان الحـــزب،إن الغالبية العظمى مــن تكوين هيكلية وكيان الحـزب الديمقراطي الكوردستاني تتكون مــن الشــباب والمثقفين وحتى أولئك القادة الذين أمضوا أعمارهم خدمة للحزب يعتبرون شبابًا أيضًا، فهم يتمتعون برؤية وأفكار شابة وسلوك وتصرفات تتماشى مع التوجه العام وفي تطويراستراتيجية الحزب.
ثالثًا: الجمهور الثابت للحـــزب الديمقراطي الكوردستاني، إن معظم أعضاء ومؤيدي الحـزب هم أعضاء بالفطرة داخل كيان هذا الحــزب، وهذا مبني على الإيمان المطلق والراسخ بنهج مقدس ألا وهو نهج البارزاني الخالد، لذلك نرى أن مسلماً أو مسيحياً أو أي قومية أو ديانة أخرى شيخًا كان أم شابًا يجمعهم عقيدة راسخة واحدة وهي عقيدة الانتماء إلى الكورد وأرض كوردستان ويربطهم طريق ونهج ثابت واحد وهو طريق ونهج البارزاني الخالد، لذلك ينبغي أن نتساءل: ما هو هذا السحر الذي يربط جميع هذه الأجيال والديانات والقوميات ببعضها البعض حين لا يوجد هذا النمط داخل أي حزب آخر؟
أي عقيدة هذه تجعل أنصارها يبقون ضمن هذا التنظيم بينما تندثر الالتزامات والانتماءات؟!
أعتقد – وهذا الاعتقاد ليس جزافًا – أن هناك جوابًا واحدًا لكل هذه التساؤلات والاستفسارات، وهو وجود عقيدة ونهج جنرال الجبال، نهج البارزاني مصطفى، وكذلك وجود كاريزمائية الرئيس مسعود بارزاني، كما أسلفنا الذكر، الذي جعلا من الحزب الديمقراطي الكوردستاني يبقى دومًا صامدًا ومزدهرًا وأن يكون أيضًا في حالة استقرار واستمرارية، نعم عقيدة يجب أن يفتخر بها كل كوردي وكوردستاني طالما كان حيًّا.