د. توفيق رفيق آلتونجي
التاريخ ما هو إلا خرافة يتم الاتفاق عليها (نابليون بونابرت)
“العمى القومي” مصطلح يعبرعن الفكر القومي السلبي منه الذي يرى فيه الفرد كل شيء من زاوية قومية عاطفية خاصة به فقط وهذا طبعا غير الاعتزاز بالانتماء القومي والعقائدي والثقافي منه.
كل صباح اشاهد برنامجا إخباريا يجمع معدوا البرنامج فيها الأخبار بكافة أشكاله و حتى حالة الطقس والجو وبعض الاخبار الثقافية وطبعا ما يقدمه المطبخ والطبيب من نصائح. بين فترة وأخرى يتدخل مقطع دعائي ولا ننسى ما للدعاية تاثير على المشاهدين وتكرارها تؤدي إلى افعال انعكاسية غير واعية وتؤثر على العقول . اليوم راعني مقطع دعائي لتشهير مواد غذائية يدعوا منتجوه إلى التمسك بالمنتوج الوطني ولكن بنفس قومي واضح وطبعا كنتيجة لازدهار الأفكار القومية في جميع دول اوربا والمطالبة بتحديد قبول طلبات اللجوء من ناحية ومن ناحية أخرى تكثيف الاخبار السلبية للنشاطات وخاصة الأجرامية منها التي تفارقها الجاليات المهاجرة في المجتمع وعدم تكاملهم في المجتمعات التي اختطتها وامور سلبية أخرى يشارك حتى الأجانب انفسهم في نشرها واحيانا ذو خاصية دينية. يسميها الممثل في تشهيره للمواد الغذائية الوطنية وبوجه بشوش انها “سويدية” فتسائلت ان كانت تلك المواد الغذائية فعلا سويدية. راجعت اخصائيات مكتب هيئة الإحصاء كي اعرف الحقيقة. كنت اعرف ان هذه البلاد الباردة لا يمكن ان تنمو فيه الكثير من أشجار الفواكه والخضراوات خذ مثالا للبرتقال فهذه الفاكهة لم تكن معروفة في هذه البلاد وحين شاهده العامة لأول مرة سمي بالتفاح الصيني وكذلك الموز ومعظم الفواكه الاستوائية . تشجيع المنتوج المحلي كسياسة اقتصادية وطنية مهمة جدا في عالم اليوم حيث تتغير كل يوم التحالفات الاقتصادية والسياسية ولكن المحافظة على استقلالية الاقتصاد الوطني لا يعني أبداً تشجيع الفكر القومي المتطرف والسلبي. المعروف تاريخيا انه حتى البطاطا وفواكه وأشجار أخرى جاء بها كريستوفر كوليوس من غزواته في دول امريكا اللاتينية ولا تزال اسمائها من لغات شعوب امريكا اللاتينية الأصلية. تلك أشجار من فواكه وخضراوات نراها اليوم في القارة الاوربية والغريب بان البطاطة مثلا زرع في اول الأمر ولم يستفيدوا منها إلا بعد حادثة حرق فيها احد المزارع ووجدو البطاطة يأكلها العامة ويستسغيون طعمها وتقول الرواية انها من قرية كاردوفر وهي في ألمانيا وتسمى البطاطا كارتوفل ، “دورف ” تعني قرية لحد اليوم بالأنانية وشاء القدر ان يتجوز الخبر الأعظم البابا سيدة من تلك القرية ووجدت تلك السيدة البطاطا مزروعة في باحة القصر في الفاتيكان في مكان سكنها وتستعمل فقط زهورها للزينة. فما كان منها إلا ان طبخت البطاطا وقدمتها لزوجها مما أدى إلى تغير جوهري حتى في الحروب بعد ان تمكنت الجيوش ان تتغذى بالبطاطا الغزير الإنتاج وبذلك تغيرت وجه العالم .

عودة إلى الدعاية التي يسوق فيها الممثل البشوش القهوة ويسميها بسعادة انها (سويدية) رغم انه لا توجد شجرة واحدة للقهوة في هذه البلاد الباردة. وهذا التوجه القومي عام في اوربا بعد ان اشتد التيار القومي ذو الأصول النازية فترى القومي يسمى حتى الحيوانت باسم شعبه فهذا من يقول الكلب باسم قومه كان للكلاب حنسية كأي مواطن يعيش في ذلك الدولة.
الشعب كلمة تدل على المجموع فقولنا مثلا الشعب العراقي لا يدل أبدا أننا نقول الشعب العربي لان العراق مصطلح جغرافي سياسي تجمع بين جناحيه أقواما وعقائديا مختلفة. لكني لا استبعد تماما وجود أصناف معينة من الحيوانات في منطقة جغرافية معينة كقولنا فيل أفريقي او اسيوي وكذلك للجمل او وجود حيوان الأما فقط في امريكا الجنوبية وحيوات الكنغرو فقط في استراليا. أي يتم تسمية الحيوان بالبيئة التي يتواجد فيها كالقارة والدولة الوطنية وصولا الى المدينة. لكننا نرى مبالغة واضحة حينما نسمع احدهم يقول بان الطماطة سويدية ويضع حتىً علم دولته كعلامة تجارية عليه.
الجدير بالذكر اني كنت قد درست عام ١٩٨٨ في الجامعة الشعبية في مدينة (يڤلا) الشمالية السويدية وفيها معامل تعبئة القهوة المسماة باسم المدينة والمشهورة عالميا وقمت بزيارة هذا المعمل في الثمانينات والذي ينتج الحلوى كذلك والمسماة “السيارة” و (لكرول )عن طريق احد المعارف الذي كان مديرا في المعمل المذكور. شاهدت مكائن التعبئة ومخازن القهوة وطبعا كلها كانت مستوردة وكما ذكرت لان أشجار القهوة لا توجد في السويد ويعتبر الحبشةً ومنطقة القرن الأفريقي الوطن الأصلي للقهوة وانتشرت من هناك إلى كافة أنحاء الدنيا. ولا زلنا نعتبر القهوة اليمنية افضل قهوة طعما ونكهة. طبعا هناك أنواع كثيرة منها ويعتبر الأثيوبية وقهوة (بورتوريكو) الحمراء ربما من افضل الأنواع ويتفنن إعداد القهوة العربية فيما يتخمر القهوة ويقدم في الأفراح والأتراح في معظم الدول العربية.
الغريب انها تسمى في الغرب بالقهوة التركية وخلال دراستي في النمسا في الثمانينات كنت اشرب القهوة على عادتي في مقهى (سنترال) وسط العاصمة ڤينا على غرار مقهى (البرازيلية ) في شارع الرشيد حيث كان محل والدي رحمة الله عليه ويقع في نفس الشارع في منطقة تسمى ب رأس القرية في مكان تم فيها محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم من قبل شلة من العصابات القومية وقتل احدهم في تلك المحاولة واسمه عبد الوهاب الغريري سمي الساحة القريبة باسمه وقد تغيرت لاحقا بعد بناء عمارة في تلك الساحة.

اما افضل قهوة فكنت تحصل عليها في بداية شارع المسبح عند ( قهوة آرا) وكنت اعتقد انه لعائلة صديقي آرا هاكوبيان الذي كان من رفاقي في اعدادية الشرقية وهاجر الى الولايات المتحدة في بداية السبعينات. كانت فناجين القهوة في المقهى النمساوي في العاصمة ڤينا والتي تغنت اسمهان بلياليها الإنس في منطقة تسمى ب (گريسنگ) في ضواحي المدينةحيث البارات العتيقة. تقدم القهوة على الطريقة التركية في صحن صغير مع قدح من الماء وشيء من الحلوى وحدثني احدهم عن هذه الطريقة في تقديم القهوة فذكر بان الضباط العثمانيين كانوا يرتادون هذا المقهى ويطلبون القهوة التي بقت محتفظة باسمها منذ ان كانت المدينة محتلة عن طريق الجيش العثماني. وقد سكنت بعض الوقت في حدود المدينة التي وصلتها وخيم فيها الجيوش العثمانية والجدير بالذكر قارئي الكريم ان متحف مدينة ڤينا وسط العاصمة فيها الكثير من المقتنيات واللوحات لتلك الفترة.
اما هنا في إسبانيا فاني زبون يومي دائم في مقهى وسط المدينة اسمه لوقا والاسم ياتي تيمنا ب بأحد حواري سيدنا المسيح عليه الصلاة والسلام وحين اطلب فنجانا من القهوة اطلبها (دبل) وسالت لوقا يوما عن اصلها فقال انها من القهوة الإيطالية وبعلمي لا يزرع القهوة هناك. هذا يدفعني للحديث عن الكثير من المواد الغذائية وحتى الحيوانات تسمى باسم القوميات وبعضا المدن والدول فكلمة العرب مثلا نراها ملاصقة للعديد من المواد الغذائية فنقول مثلا علچ عرب ولكننا نرمز إلى المدن والمناطق للفوكه والخضراوات رمان حلبچة وشهربان ، برتقال البعقوبة، وبانية طوز وبطيخ السامراء وچمة الرمادي ولبن اربيل الشهير. الجدير بالملاحظة انتشار كلمات من لغات أخرى في جميع اللغات واللهجات. كنت قد كتبت عن العمارة في مادة سابقة ووجدت خلال دراستي تلك ان العديد من المباني بناها شعوب عرفت المدن وكانت مستقرة.

راجع جريدة التاخي تحت الرابط التالي؛
https://altaakhi.net/2025/06/161150/
فمثلا مجرد زيارة إلى مصر وهي كدولة تعتبر مركز العروبة وفي العاصمة القاهرة معظّم الموسسات القومية كالجامع العربية والأزهر ولكن القاهرة مدينة معظم آثارها لا ترتبط بالعرب بل بالمسلمين من شعوب غير عربية تم تعريب الشعب المصري في مراحل حتى وصل إلى درجة منع ومعاقبة كل من يتحدث اللغة الأصلية القبطية للشعب المصري العريق ونرى مسميات كثيرة من الكوردية ، الفارسية ،المغولية -التركية والألبانية اليونانية واللغة المصرية القديمة لا تزال تستعمل في اللهجة المصرية العذبة الجدير بالذكر رغم هجمة الرياح القومية التي اجتاحت مصر ايام المرحومً جمال عبد الناصر لم يغير من الطابع التعددي الثقافي وتراث مدينة القاهرة وبقت محتفظة بأسماء غير عربية لاحيائها وأبنيتها التراثية. إذا استثنينا جامع عمر بن عاص وبعض المراقد التي تعود إلى الايام الاولى لأسلمة مصر. كل قصورها وقلعتها وصولا إلى الاهرامات ليست من ابداع العرب ولكنها تعتبر عاصمة العرب، اليوم. ومصر التي تفتخر أبنائها بان مؤسسها هو جوهر الصقلي الرومي . وقد استاء المصريون حين تغير اسم دولتهم إلى الجمهورية العربية المتحدة ولم اجد إلا أغاني تمجد ب مصر المحروسة وبانيها الحلواني. هنا اود ان اذكر رواية عن الفنانة شادية (فاطمة كمال شاكر )مفادها انها حزنت كثيرا لهذا التغير وتركت الغناء إلى اليوم الذي أعيد فيها اسم وطنها إلى التسمية القديمة”مصر بعد انً كان (الجمهورية العربية المتحدة ) فغنت لمصر وأي غناء فأنشدت؛
” كان اليوم ده أمل من إمتى بنتمناه ، حلم و عشنا سنين على نوره بنستناه”.
كان العراق كذلك في فترة الحكم البعثي قد اصابها ما اصاب مصر المحروسة فتغير معظم محلات وشوارع البلاد إلى أسماء عروبية من شخصيات ومجرمين وقتلة وحوادث مأساوية وكل حي او شارع جديد عمد باسم احدهم دون اي مراعات للتكوين القومي والعقائدي للمدن العراقية ونموذج ذلك نراه حتى اليوم في أسماء أحياء كركوك الجديدة لذلك الاتجاه القومي الهجمة القومية في أوروبا لها أسباب عديدة لسنا بصددها في هذه المادة وسيعالج في مادة مستقلة لاحقا.
الاندلس
2025