الفكر الاسلامي وعقيدة التوحيد

د. مريم كاظم هادي

الفكر الاسلامي وراء الهدف المبتغَى من تسجيل ماضي التاريخ، بقدر ما هو محاولة لتوظيف هذا الماضي كفكرة وخبرة لإثراء واقعِنا، بقدر ما تسمح ظروف هذا الواقع.
، فقد جاءت محاولةً للإسهام في بيان عناية المسلمين الأخلاقي منذ فترة مبكِّرة، تسبق احتكاك المسلمين باليونان، الأمر الذي يؤكد أن المسلمين انطلقوا في هذا الاهتمام من طبيعة الإسلام باعتباره دينًا أخلاقيًّا في محتواه كله، وإذا كانت بعض الاتجاهات قد شكلت مناهجها بأصولها الفكرية كفرقةٍ أو مذهب، فإن هذا لم يُخرِجها من الإطار العام للإسهام في بِناءِ علم أخلاق إسلامي له حدوده ومصطلحاته وقيمه، ولا يَضِيرُه أن يكون على غير نسق اليونان أو غيرهم.
باعتبارها أساسًا من أسس تطوير التعليم وطريقًا إلى اللحاق برَكْب الحضارة والحفاظ على هُوِيَّة الأمة واستقلالها الحقيقي.
معنى الفكر الإسلامي يقتضينا تحديدُ هذا المعنى أن نُوضِّح معنى الفكر، باعتباره عملًا إنسانيًّا، ثم نميز الفكر الإسلامي بما تميز به باعتباره فكرًا له خصائصه المرجعية والمنهجية، وهذا الأخير يتطلب أن نُظهِر الصلة بين هذا الفكر ومصادره من جهة، وبينه وسلوك الملتزِمين به من جهة أخرى ومعنى الفكر إذا كان الإنسان مميزًا مكرمًا بالعقل بما يستلزمه هذا من اختزان الصور، والقدرة على استدعائها، وربط الأسباب بالنتائج بشكل أو بآخر، بساطةً أو عمقًا، فإن الفكر وإدراك المعلومات يُصبِح شيئًا من طبيعة هذا المخلوق يمارسه، فيُعمِل عقله حين يجد نفسه حيالَ مشكلة من المشكلات، باحثًا لها عن حل، في ضوء المبادئ السائدة وظروف البيئة التي يتوجه إليها بالخطاب وهنا نُشير إلى حقيقتين الأولى: أن هذه العملية العقلية التي تسمَّى (الفكر) يتفق فيها – أعني أصل القضية – مَن له علم بالمناهج وطرق التفكر مع مَن لم يُتَح له ذلك لسبب أو لآخر؛ ذلك أن كليهما يملك عقلًا فطريًّا أو غريزيًّا، ويواجه بما يحتاج إلى حلول أو توجيهات أو اختبارات بين بدائل، فلا بد له من ممارسة هذه الوظيفة على قدر ثقافته، وهنا يظهر الاختلاف في الكمِّ بين مقدار ثقافة كل منهما وتوظيفه لها، لكن المؤكد أن كلًّا منهما له صلة بثقافة البيئة ومبادئها في صورتها البسيطة على الأقل.
ومِن هنا جاز أن يقال: إن مَن يرفضون التفكير يفكرون كي يرفضوه، وإن مَن يرفضون الفلسفة يتفلسفون من حيث لا يشعرون؛ لأن الفكر واحد من أبرز خصائص الإنسان.
وما التفكير الذي نسميه بالبدائي إلا دليل على صحة ما نشير إليه من ضرورة أن يفكر الإنسان بطريقة أو بأخرى في إيجاد ما يتلاءم به مع زمانه ومكانه، وأما حكمنا على هذا الفكر أو ذاك، فتلك نسبية في القياس؛ إذ يمكن أن يوصف فكرنا نحن بالأوصاف نفسها من جيل يأتي بعدنا في زمان لا نعلمه نحن الآن.
الثانية: أن لكلِّ فكرٍ مبادئه التي ينطلق منها باعتبارها ثقافته وجو بيئته، وأن لكل فكر غيبيَّاته التي تمثل معتقده، أيًّا كان نوع هذا الاعتقاد دينيًّا أو ماديًّا، ويبقى المقياس في النهاية قدر الاتِّساق بين الغيبيات المعتقدة لفكر ودين، وبين واقع أصحاب هذا الفكر أو ذاك، كذلك تقاس غيبيات الأفكار بمدى تحقيقها السلام الروحي للإنسان الذي يَدين بهذا الفكر أو ذاك، وليس هناك في الأرض إنسان متحرك مِن غير عالم غيب، وعتاةُ الماديين يتحركون في إطار علم غيب خاص بهم، وهذه الحقيقة لها أهميتها؛ حيث يتميز كل فكر بغيبياته وصلاحيتها للحياة، مما يلزمنا بضرورة أن نوضح غيبيات حضارتنا، وعقيدتنا التي أخرجت فكر هذه الحضارة، وأن نرسخه في أذهان شبابنا، وبين يدي دعوتِنا غيرَنا للإسلام إذا كنا نريد أن نقيم بعثنا الجديد على أسس عقَدية وعملية في آنٍ معًا، غير مخدوعين برواج شكلي للحضارة الغربية، وغير مُتجنِّين عليها في آنٍ معًا.
وإذا كانت عقلية الإنسان الغربي قد صِيغت وَفْقَ أفكار معينة؛ مثل نظرية التطور، أو صراع الطبقات عند ماركس، أو الجنس عند فرويد، أو الوضعية في صورتها الجديدة، وقد أدَّى هذا إلى تعميمٍ ساد كلَّ المواقف للإنسان الغربي، حتى إنه في مجموعه لم يهتمَّ بمراجعة المقياس الذي أشرنا إليه وصار تُرسًا في آلة النمط الفكري الذي فرضه غيب هذه الحضارة المادية.
أقول إذا كان هذا صنيع الغيب الغربي بأهله، فإن الغيب في الفكر الإسلامي ينطلق مِن عقيدة التوحيد بما تَعنيه من جمع همة إنسان الحضارة، ومِن العبادةِ غاية الوجود الإنساني بما تعنيه من ترشيد السلوك وترقية الحس والروح، ومن معيار الأفضلية (التقوى) تقويمًا للجهد الإنساني في مساره وغايته، ومن مكان طاقات الإنسان في العقيدة من قلب وعقل وحواسَّ، طريقًا إلى تكامل كيان الإنسان وهو يسلك طريقه حلًّا للمشكلات في الدنيا، وطلبًا لثواب الله في الآخرة، كل هذا في ضوء مسؤوليةٍ انبَنَت على الاختيار الحر الذي أراده الله للإنسان طريقًا للتكليف.
وبهذا فإنَّ الحاجة ماسَّة إلى التعرُّف على غيبِنا وعقيدتنا تعرفًا يغلغل فاعليتها في الحياة ويجعل الفكر طريقًا لتجسيد هذا الغيب، وخطوة على الطريق استخلاف الإنسان للعبادة والعمارة لهذا الكون.

قد يعجبك ايضا