د. ابراهيم احمد سمو
الفرق شاسع بين الإنسان البسيط والكاتب، ليس في المظهر أو الموقع، بل في الكيفية التي يفهمان بها الحياة، وفي الطريقة التي يعبران بها عن الألم والمعاناة. فالأول يواجه الواقع ببساطته، لا يحمل سلاحًا سوى الصبر والتحمل، يتألم بصمت، ويتوجع في الخفاء، وربما ينفجر ذات لحظة بضربة واحدة غير محسوبة، فتسجنه الأعوام أو تطحنه العواقب. أما الثاني، أي الكاتب، فيمتلك أدوات التعبير وآليات التروي والالتفاف، ويعرف كيف يوجّه الألم نحو الكلمة لا نحو السلوك، نحو الورقة لا نحو الصدور.
الإنسان البسيط لا يدرك غالبًا فنون الكتابة ولا أدوات التعبير الرمزية أو المجازية، يقف وجهًا لوجه أمام معاناته، دون تمويه أو مراوغة، يُفصح عن ذاته بعفوية مباشرة، لا يعرف الإيحاء، ولا يدرك قيمة التلميح، ولا يستخدم الرمز، فهو نقيّ في ردّ فعله، لا يخشى العواقب لأنه لا يراها قادمة أصلًا. مشكلته في صدقه العاري، وفي وضوحه الذي قد يتحوّل إلى خطر عليه وعلى الآخرين.
أما الكاتب، فهو يمرّ بثلاث مراحل متداخلة. يبدأ كإنسان بسيط، لا يختلف كثيرًا عن الآخرين، يحمل ذات العواطف والانفعالات، لكنه حين يقرأ، تتغير ملامحه الداخلية. يتهذب فكره، وتتفتح مداركه، ويبدأ تدريجيًا بالتحول إلى مثقف. غير أن الثقافة وحدها لا تكفي، فليس كل مثقف كاتبًا. الكتابة تتطلب مهارة أخرى، هي القدرة على توظيف ما قرأه ومرّ به في قالب تعبيري يحمل الفكرة ويصونها من السقوط أو الانحراف.
كل كاتب حقيقي لا بد أن يكون مثقفًا، لكنه بالضرورة ليس كل مثقف كاتبًا. الكاتب يتجاوز مجرد جمع المعلومات، هو حامل لأفكار، حتى وإن كانت مثيرة للجدل أو مرفوضة من الآخرين. الأهم أنه يدافع عنها بأسلوب لا يجرح، وبكلمات لا تجرّم. إنه يُتقن اللعب على الزوايا، يعرف متى يصمت ومتى يصرخ، وكيف يمرر رسالته دون أن يقع في فخ القانون أو العداوة.
بينما يُخرج الإنسان البسيط غضبه في لحظة، وينفعل بلا تفكير، يكتب الكاتب عن غضبه بطريقة فنية، قد يستخدم الشتم لكنه يحوّله إلى تلميح، يعبّر عن الحقد بكلمات مغلّفة، يرسل سهامه عبر المجاز، فيصيب الهدف دون أن يترك آثارًا جنائية. هذه القدرة ليست موهبة فطرية فحسب، بل هي خلاصة تجربة ثقافية طويلة، وتراكم قرائي واسع، ومهارة في التشكيل اللغوي والتعبيري.
الكاتب متلوّن بالثقافات، مشبع بالتجارب، يعرف جيدًا كيف يصوغ أفكاره، سواء أكان مع السلطة أو ضدها، مع المجتمع أو ناقدًا له. يجد راحته في التعبير، ويملك من الشجاعة ما يكفي ليكتب كل ما يشعر بضرورته، لكنه يلبسه ثوبًا فنيًا يقيه من العواقب. هكذا يتحول الألم في داخله إلى نص، والغضب إلى مقالة، والحزن إلى صورة رمزية.
ومع هذا، يظل الكاتب محتفظًا بشيء من بساطة الإنسان الأول، فلا يكتب فقط ليُعجب أو يُصفّق له، بل لأنه لا يستطيع أن يصمت. الفارق فقط أنه لا يصرخ في الشارع، بل يكتب في دفاتره. لا يرمي الحجارة، بل يزرع الحروف. لا يتعارك، بل يحاور. وبين هذا وذاك، يظهر الفرق العميق بين من يتألم بصمت، ومن يحوّل الألم إلى صوت.
هذه ليست مقارنة بين الأفضل والأسوأ، بل وصف لحالتين إنسانيتين متباينتين في الوسائل، متحدتين في المعاناة. كل منهما يعاني بطريقته، غير أن أحدهما ينفعل، والآخر يُعبّر. أحدهما يُفجّر، والآخر يُصوّر. وفي النهاية، كلاهما يحتاج إلى أن يُسمَع، لكن أحدهما يهمس، والآخر يصرخ.
لهذا نقول: نعم، بين الإنسان البسيط والكاتب مساحة واسعة من التعبير، مساحة تصنع الفرق، وتحمي أحدهما من الهلاك، وتدفع الآخر نحو الخلود.