اتفاقية سنجار: مفتاح الاستقرار وعودة النازحين إلى ديارهم

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر

في مثل هذه الأيام، وقبل أحد عشر عاماً، وقعت فاجعة إنسانية كبرى في قضاء سنجار، حيث شنّ تنظيم “داعش” الإرهابي هجوماً وحشياً على الكورد الإيزيديين، خلّف آلاف الضحايا من القتلى والمختطفين، معظمهم من النساء والأطفال. وما زالت آثار هذه الجريمة الممتدة تترك جراحاً مفتوحة، رغم مرور الزمن، بسبب بطء العدالة وعدم استكمال مستلزمات عودة النازحين إلى ديارهم الأصلية.

وفي الذكرى الحادية عشرة لهذه الإبادة، نشدد على ضرورة المُضيّ قدماً في تنفيذ اتفاقية سنجار الموقعة عام 2020 بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كوردستان. الاتفاق الذي وُلد من رحم معاناة سنجار، وهدف إلى إعادة تنظيم الإدارة المدنية والأمنية للقضاء، بات اليوم حجر الزاوية في كل حديث عن إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار وضمان عودة النازحين.

أن العدالة للضحايا الكورد الايزديين لا تزال ناقصة، وأن غياب الأمن وتراجع الخدمات الاجتماعية في سنجار وسهل نينوى يعوقان العودة الطوعية والكريمة للنازحين، خصوصاً مع استمرار وجود قوى غير رسمية ومسلحة تعرقل استقرار المنطقة.

إن اتفاق سنجار، في جوهره، يمثل أكثر من مجرد تفاهم أمني؛ إنه مشروع وطني وإنساني لإعادة الأمل إلى قضاء مزقته الحروب والصراعات. يتضمن الاتفاق ثلاث ركائز أساسية: الإدارة المشتركة بين بغداد وأربيل، إنهاء وجود الفصائل المسلحة الخارجة عن القانون، وإعادة إعمار البنية التحتية والمرافق العامة التي طالها الدمار.

ورغم مرور خمس سنوات على توقيع الاتفاق، إلا أن التنفيذ لا يزال متعثرًا. يعود ذلك إلى عوامل سياسية معقدة، منها التنافس على النفوذ، وغياب الإرادة ، إلى جانب التدخلات الخارجية التي تجد في مناطق النزاع بيئة مناسبة لترسيخ وجودها عبر الميليشيات والواجهات المختلفة.

ورغم أن اتفاق سنجار حظي بدعم دولي واسع، إلا أن الحكومة العراقية أظهرت تباطؤاً واضحاً في تنفيذ بنوده، بل وتعمّدت أحياناً غضّ الطرف عن وجود جماعات مسلحة غير نظامية تتحكم بالوضع الأمني في القضاء، ما شكّل عقبة حقيقية أمام استعادة الاستقرار. لم تكتفِ بغداد بعدم تفكيك هذه القوى، بل قدّمت لها أحياناً غطاءً سياسياً ضمنياً بحجة “الحشد الشعبي” أو “الوضع الأمني الخاص”، مما أضعف سلطة الدولة الرسمية وساهم في تعقيد المشهد الميداني. إلى جانب ذلك، عانت المنطقة من إهمال واضح في الخدمات الأساسية، خصوصاً في مجالات التعليم والرعاية الصحية، إذ تفتقر سنجار إلى المستشفيات المتخصصة والمراكز الصحية المؤهلة، بينما لا تزال المدارس مدمرة أو مغلقة، مما يجعل حياة العائدين أشبه بحياة النزوح نفسها. هذا التراخي الرسمي يعكس غياب رؤية حقيقية وجدية لإعادة إعمار القضاء أو لتمكين الكوردالإيزيديين من استعادة حياته بكرامة على أرضه.

لكنّ الأهم من كل ذلك، هو أن الضحية لا يزال ينتظر إنصافًا فعليًا، لا مجرد بيانات دعم. عائلات كاملة تعيش حتى الآن في مخيمات النزوح، بعضها لم يزر قريته منذ أحد عشر عاماً. أطفال وُلدوا في الشتات، ولا يعرفون من سنجار سوى صورها وذكريات ذويهم. وشابات عاد بعضهن مؤخرًا من أسر داعش، يفتقرن إلى برامج دعم نفسي واجتماعي وتعليمي يُعيد دمجهن في المجتمع بكرامة وأمان.

إن التلكؤ في تنفيذ اتفاقية سنجار يُعني ترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات الانفجار الأمني مجدداً، ويهدد وحدة النسيج الاجتماعي في منطقة تُعدّ من أكثر المناطق تنوعًا وخصوصية في العراق. كما أنه يُقوّض جهود المجتمع الدولي في ترسيخ الاستقرار ومكافحة جذور الإرهاب.

ولعل ذكرى الإبادة التي يُحييها العالم اليوم، تكون دافعًا أخلاقيًا لإعادة إحياء الاتفاق من جديد، بروحٍ تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وبخطط عملية تضع حجر الأساس لإعادة بناء سنجار… الإنسان والمكان.
وفي الختام، لا بد من التقدير العميق للدور الذي قامت به حكومة إقليم كوردستان في احتضان النازحين ودعمهم طوال السنوات الماضية. فقد فتحت أبوابها أمام عشرات الآلاف من الضحايا، وقدّمت لهم الملاذ الآمن والرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية في وقت كانت فيه مناطقهم الأصلية تحت الرماد. كما وفّرت الحكومة الإقليمية بيئة حاضنة لبرامج الدعم النفسي وإعادة التأهيل، وأبدت تعاوناً ملموساً مع المنظمات الدولية والإنسانية. ورغم التحديات الاقتصادية والسياسية، لم تتخلَّ كوردستان عن مسؤوليتها الأخلاقية والإنسانية تجاه هذه الشريحة المنكوبة. إن هذا الالتزام الثابت يُشكّل دعامة أساسية في طريق العدالة والعودة الآمنة للضحايا إلى ديارهم.

قد يعجبك ايضا