غياب الدولة عن جينوسايد الكورد: تهرّبٌ من المسؤولية أم إنكارٌ مستتر؟

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر

على مدار السنة، قلّما تمرّ مناسبة تخلو من استذكار مأساة أو جريمة ارتكبتها الحكومات العراقية بحق شعب كوردستان. إذ لم يكن تاريخ العلاقة بين الدولة في بغداد والمكوّن الكوردي إلا سلسلة من المجازر والإقصاء والتهميش المنهجي.

فمن تغييب الكورد الفيليين عام 1980،الى جينوسايد البارزانيين عام 1983، مرورًا بحملات الأنفال عام 1988، ووصولًا إلى مجازر الإيزيديين التي ارتكبتها تنظيم الدولة الاسلامية في سنجار عام 2014، نجد أن نمط الجريمة ظل واحدًا، كما ظل غياب الدولة عن الاعتراف والإنصاف ثابتًا كذلك.

قبل اثنين وأربعين عامًا، ارتكب النظام البعثي واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية بحق أكثر من ثمانية آلاف رجل من شيوخ وشباب البارزانيين، حيث تم اقتيادهم إلى صحارى الجنوب، وأُعدموا بدمٍ بارد في مجازر جماعية بقيت، حتى اليوم، وصمة عار في جبين الدولة العراقية.

لكن تلك لم تكن بداية السجل الأسود، فقبلها بثلاثة أعوام، في عام 1980، جُرّد حوالي نصف مليون كوردي فيلي من الجنسية العراقية، واقتيدوا إلى المجهول، ولا يزال مصير معظمهم مجهولًا حتى الآن. جريمة لم تستهدف فئة دينية أو سياسية فحسب، بل كانت محاولة ممنهجة لمحو مكوّن كوردي بأكمله، عبر التهجير والاختفاء القسري وسلب الهوية.

ولم يكن عام 1988 أقل فتكًا، حين شُنّت حملات الأنفال ضد الكورد في گرميان وبادينان وغيرها، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 180 ألف مدني، وتدمير آلاف القرى، في محاولة لإبادة جماعية موثّقة، استخدم فيها النظام كل أدوات الدولة لإفناء شعب بأكمله. إنها ليست مجرد “أحداث ماضية”، بل جرائم إبادة مكتملة الأركان.

وفي 3 آب/أغسطس 2014، كُتبت صفحة أخرى دامية في كتاب الإبادة، حين اجتاح تنظيم داعش قضاء سنجار، وارتكب بحق الكورد الإيزيديين مجزرة مروّعة، قُتل فيها الآلاف، وسُبيت النساء، وهُجّر عشرات الآلاف من ديارهم وسط صمت وتخاذل الدولة. ومع ذلك، في مقابل الغياب الفاضح للحكومة العراقية، نهض شعب كوردستان، وبالأخص أهالي محافظة دهوك، ليقدّم أنبل صور التضامن الإنساني، حيث فتحت البيوت والقلوب والمخيمات، وجرى تأمين المأوى والغذاء والسكن لعشرات الآلاف من الناجين، في مبادرة مجتمعية هائلة، أثبتت أن كوردستان ليست فقط ضحية، بل حاضنة كريمة لضحايا الغدر والخذلان.

إن ما يجمع بين هذه الفظائع جميعًا هو أمران: أولًا، إنها جرائم ممنهجة مارستها أو سمحت بها الدولة. وثانيًا، أن غياب الدولة بعدها لم يكن عفويًا، بل استمرار لنهج الإنكار والتهرّب من المسؤولية. لم تُقدّم الدولة العراقية اعتذارًا واضحًا و عمليا، ولم تعوّض الضحايا، ولم تدمج هذه المجازر في سردية وطنية جامعة. بل إن الغياب المتكرر عن مراسم إحياء ذكرى هذه الإبادات،لا يمكن فهمه إلا كرسالة استهانة بذاكرة الضحايا، وتواطؤ رمزي مع منطق الإقصاء ذاته.

إن الواجب الأخلاقي والوطني والقانوني يقتضي أن تكون الحكومة العراقية حاضرةً بمؤسساتها، مُعترفةً بهذه الجرائم، ومبادرة إلى إقرار سياسات عدالة انتقالية تُنصف الضحايا وتُحوّل الذاكرة إلى منبع للتصالح، لا للاحتقان. أما الاستمرار في سياسة الصمت والتجاهل، فلن يُنتج سوى مزيدٍ من الشرخ بين المكونات العراقية، وتراكم مشاعر الغبن وفقدان الثقة بالدولة.

في المقابل، لا يسعنا في هذه الذكرى إلّا أن نستذكر المواقف الإنسانية الشجاعة التي واجهت المأساة بشرف ووفاء. من جماهير سهل أربيل وحرير وسوران الذين احتضنوا البارزانيين في الثمانينات، إلى المواقف البطولية لأهالي محافظة دهوك باكملها الذين احتضنوا الإيزيديين وشاركوا معهم الماء والخبز والكرامة. كما لا يمكن أن نغفل عن صمود أمهات الشهداء في گرميان وسنجار والفيليين، اللواتي كنّ ولا يزلن مصدر إلهام لشعب بأكمله.

وفي هذا السياق، لا بد من توجيه شكر خاص ومُستحق إلى المرجع القومي الكوردي الرئيس مسعود بارزاني، الذي وقف بثبات وشجاعة في قلب المعارك والخنادق دفاعًا عن سنجار، واستعادة كرامة الكورد، والانتصار على تنظيم داعش الإرهابي، والعمل على عودة الإيزيديين إلى أراضيهم الأصلية. لقد جسّدت مواقفه خلال تلك المحنة ذروة الالتزام القومي والمسؤولية التاريخية.

كما نتقدّم بخالص التقدير إلى رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرڤان بارزاني، ورئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني، لمواقفهما النبيلة في التخفيف من معاناة الكورد الإيزيديين، وبذلهما الجهود السياسية والإنسانية والصحية والنفسية لتضميد الجراح، وتوفير الدعم المالي والطبي والإيوائي، في وقتٍ كانت فيه الدولة الاتحادية غائبة أو عاجزة عن القيام بدورها.

ختامًا، إن استمرار التغاضي عن هذه الجرائم و عدم التحرك الجدي لضمان تكرارها و تعويض المتضررين و تضميد جراحهم لا يهدد فقط وحدة العراق، بل يزعزع فكرة الدولة نفسها. الدولة التي لا تعترف بمآسي مواطنيها، لا يمكن أن تضمن لهم العدل. والدولة التي لا تواجه ماضيها، ستعيد إنتاجه بصور جديدة. وحده الاعتراف، والاعتذار، والعدالة، هو الطريق الحقيقي لبناء عراق يتساوى فيه الجميع، وتُحترم فيه الذاكرة، ويُصان فيه الكرامة.

قد يعجبك ايضا