لطيف دلو
في نهاية الحرب العالمية الاولى (1914 – 1918) احتلت بريطانيا كافة الاراضي العراقية الحالية واصبحت تحت تصرفها وواجهت مصادمات ومظاهرات عديدة من جميع المكونات لرفضهم الاحتلال واضطرت اخيرا الى تشكيل حكومة مؤقتة عام 1920 برئاسة عبد الرحمن الكيلاني من اصول كردية دينية وفي عام 1921 شكلت دولة العراق على ارادتها وتوجت فيصل الحجازي ملكا عليها بنظام ملكي دستوري لتكون اول دولة في المنطقة على شاكلة انظمة الدول الاوروبية متعددة المكونات والاعراق على ان يمنح الكرد حكما ذاتيا لادارة مناطقهم ويمارسون ثقافتهم ويدرسون في المدارس القراءة والكتابة والمكاتبات في الدوائر بلغتهم ومنها قرارات المحاكم وتأسيس دائرة في بغداد لترجمة الكتب الى العربية والكردية الى وجهتها مع تخصيص حقائب وزارية ووكيل لكل وزارة في الحكومات العراقية للكرد وجرى تمثيلهم في الحكومة دون الحكم الذاتي وما يتعلق بالاصلاحات الاخرى .
كانت مشاركة جميع القوميات والاديان والطوائف في البرلمان والحكومة ورئاستيهما دون استثناء اي مكون منها وبالتداول حسب الاصوات وكان اول وزير مالية هو اليهودي حسقيل ولا يزال يشيدون بنزاهته واستمر الحال بتغييرات بسيطة الى نهاية العهد الملكي ويمكن تعويل هذه السلاسة الى النفوذ البريطاني في السلطة لان النزعة القومية والطائفية كانت ظاهرة وتشتد مع الايام من تصرف الحكام بتهميش الاصلاحات الموعودة للكرد إلا في ظروف معينة تلبية للمطالب الملحة من المظاهرات والثورات الكردية ، أما بالنسبة للطائفة الشيعية كانوا يمارسون طقوسهم الطائفية والمشاركة الفعلية في السلطة للعهد الملكي بناءا على ما كان الملك يعلم إنه بحاجة الى دعم من اكثرية السكان لجعل العراق لها سيادة كاملة ، كما كان على دراية بالقوة السياسية التي تملكها تلك العشائر الجنوبية لذلك قام بتطوير اسلوب التعامل وخلق العلاقات والروابط معهم بشكل لم يستطع تحقيقها اي حاكم عراقي اخر بعده وكانت علاقته مع رجال الدين الشيعة جيدة قبل مجيئه الى العراق وبالرغم من النفوذ البريطاني في صناعة دولة متعددة الاعراق على شاكلة الدول الاوروبية أنف الذكر إلا إن استمالة الحكام السنة الى تحالفات مع الدول العربية واعطاء صبغة قومية وطائفية على الدولة قد خلقت لدى الكرد والتركمان حالة من عدم الاطمئنان وعدم الارتياح لدى الشيعة لذلك قام الجنرال بكر صدقي بانقلاب عام 1936 تحت سياسة العراق اولا التي قوت مركز العراق اقليميا لتركيزه على التعددية للمجتمع العراقي واغتالوه القوميون 1937 بحجة انتماءه الكردي ويقال لو كان النجاح حليفا لهذه السياسة كانت ستصبح الاساس الجديد لبلورة هوية وطنية مختلفة للعراق وبمقتله عادت الاوضاع الى سابق عهدها بإلغاء كافة القرارات الاصلاحية التي اقرت في عهده.
في العهد الملكي تحت النفوذ البريطاني اصبح العراق عضوا في عصبة الامم بتاريخ 3 تشرين الاول 1932 وانفك من الانتداب واصبح دولة يحسب لها الامتياز في السياسة والاقتصاد والقوة بين دول المنطقة وتتمتع بالاكتفاء الذاتي لجميع المنتوجات الزراعية وتصدير الفائض للخارج كثاني مصدر لاقتصاده بعد النفط ويسودها الامن والاستقرار خاصة فيما بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي صبيحة يوم 14 تموز 1958 تغير كل شيء في البلاد بمقتل الملك فيصل الثاني وكافة افراد الاسرة المالكة في عملية عسكرية بمإ سميت بالثورة لتغيير نظام الحكم من الملكية الى الجمهورية وإنهاء النفوذ البريطاني في العراق الا انها لم تكن سوى سيطرة العسكر على السلطة وتعميق القومية والطائفية تدريجيا في البلاد واعقبتها الانقلابات العسكرية وتوجهات سياسة البلاد تارة شرقية وتارة غربية ومظاهرات واقتتال داخلي وثورات كردية وإعتراضات شيعية والدخول فيما بعد في حربين خليجيتين مدمرتين لاقتصاد البلاد وسيادتها وللامن والاستقرار وإفتعال مجاعة غير مسبوقة والعودة الى نقطة الصفر باحتلالها هذه المرة من القوات الامريكية عام 2003 ومن ثم العودة الى الاخطاء السابقة وبأسوأ منها في العراق الحديث لتفشي الفساد والاحتيال والرشوة والتطرف الطائفي والقومي مع فقدان سيطرة السلطة على الوضع الامني في كثير من الاحيان ، تلك ما لاحظناها الى اليوم بعد إسقاط الحكم الملكي وزوال النفوذ البريطاني.
كانت في المنطقة دول ومجتمعات تحت الاحتلال كما كان العراق وعلى سبيل المثال ، الامارات العربية الخليجية السبع في عام 1971 انسحبت بريطانيا من جميعها دفعة واحدة وكانت تعيش في حياة بدائية عشائرية ومعتمدة على الرعاية والحماية البريطانية وبعد الانسحاب اتحدت الامارات السبع وشكلت دولة الامارات العربية المتحدة ونهضت بواقعها الاقتصادي والسياسي والعمراني مستفيدة من الاستثمارات الغربية واليوم تعد من ارقى الدول في المنطقة بناطحات سحابها ومركزا تجاريا دوليا ومحطة تواصل بين العالم ، والعراق كان اعظم دولة في المنطقة وله الثقل السياسي والاقتصادي وحتى العسكري وفقد
الكثير منها بعد اسقاط العهد الملكي وزال النفوذ البريطاني بالرغم من ثرواته الهائلة بسبب التعصب القومي والطائفي وشغف المناصب والاموال لحكامه اصبح مانحن فيه اليوم بالاخص في الامن والاستقرار ولا يقبل المنطق المقارنة بين الدولتين.
بعد زوال النفوذ الاجنبي كان العراقيون يتوقعون ويبتهلون ان يرتقي بهم العراق الى مصاف ورفاهية العيش اعلى ما في الدول المتقدمة للثروات الهائلة التي يمتلكها العراق وبموارده البشرية التعددية وموقعه الجغرافي واقاموا احتفالات ومسيرات تاييدية لا حصر لها ولكن حال بين اطماعهم التكالب على السلطة شغفا للمناصب والمال والافراط بالمال العام لاغراض شخصية للحكام جعل اناس في بحبوحة الحياة دون مؤهلات وكد وتعب واناس أخرين في منتهى التعب والارهاق يصبحون على بطون خاوية .
عذرا يا عراق مع اشد الاسى بكل ثرواتك لقد اصبحت مع الاخرين .
30 تموز 2025
المصادر
العراق والبحث عن الهوية – ليورا لوكيتز ، ترجمة دلشاد ميران .ِ مجلدات سجل الوزارات العراقية – الكاتب عبد الرزاق الجسني .