أ. د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر
في السنوات الأخيرة، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة تشكل المحاور الجيوسياسية،في ظل بروز مشروعين متوازيين ومتصادمين:
•الأول هو “الهلال الشيعي”، بُني على أسس مذهبية توسعية تقودها إيران.
•والثاني هو “المشروع الإبراهيمي”، الذي يحمل طابعًا براغماتيًا تطبيعيًا ترعاه الولايات المتحدة وتستفيد منه إسرائيل ودول خليجية.
في هذا المشهد المتوتر والمعقد، تقع كوردستان في موقع جيواستراتيجي بالغ الحساسية، يجعلها عرضة لتأثيرات كلا المشروعين، سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا. والسؤال المطروح اليوم هو: كيف يمكن للإقليم أن يوازن بين مطرقة الهلال وسندان الإبراهيمية؟
اولا:المشروع الابراهيمي
انطلق المشروع الإبراهيمي رسميًا عام 2020 مع توقيع اتفاقيات السلام بين إسرائيل ودول عربية منها الإمارات والبحرين والمغرب، بدعم أميركي مباشر. ورغم طابعه “الديني-التسامحي” المعلن، إلا أن جوهره استراتيجي واقتصادي–أمني يهدف إلى:
•خلق تحالف شرق أوسطي ضد إيران.
•توسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة عبر الاقتصاد والتكنولوجيا.
•تحويل مسار الصراع من فلسطيني–إسرائيلي إلى سنّي–شيعي.
وفي هذا السياق، قد تمثل كوردستان عنصر جذب لهذا المشروع، لا سيما في ظل العلاقات والانفتاح التدريجي على دول الخليج، والحاجة الملحّة لتنمية اقتصادية عبر الشراكات الدولية.
ثانيًا: الهلال الشيعي
على النقيض، يستند الهلال الشيعي إلى بُنية مذهبية وتحالفات عسكرية عابرة للحدود، تديرها إيران، بهدف:
•تأمين محور بري من طهران إلى بيروت مرورًا ببغداد ودمشق.
•التحكم بالقرار السياسي في دول ضعيفة أو متفككة.
•مواجهة النفوذ الأميركي والإسرائيلي، وبناء محور مقاومة ظاهري.
لكن هذا المشروع لا يخلو من نزعة مركزية معادية للهويات القومية غير الشيعية، وهو ما يضع القضية الكوردية في خانة “الخطر” بالنسبة لطهران، لا سيما مع امتداد التطلعات القومية الكوردية داخل حدود إيران نفسها.
ثالثًا: التأثيرات السياسية على كوردستان
1. الهلال الشيعي يستثمر في فرض الوصاية على بغداد، ما يعني أن القرار المتعلق بكوردستان – من الموازنة إلى ملف كركوك – يخضع أحيانًا لحسابات إيرانية لا عراقية.
وتتحول الميليشيات الشيعية إلى أدوات ضغط ميداني على حدود الإقليم.
2. المشروع الإبراهيمي يفتح نافذة أمام كوردستان للتقارب مع القوى الاقتصادية الكبرى في المنطقة، خصوصًا دول الخليج، لكنه يُبقي البُعد القومي الكوردي في الهامش. فحتى إسرائيل، رغم تعاطفها الظاهري مع كوردستان، لم تعلن يومًا دعمًا حقيقيًا لحق تقرير المصير الكردي.
رابعًا: التأثيرات الاقتصادية:
1. الهلال الشيعي يدفع نحو عسكرة الاقتصاد وتحويل المناطق المتنازع عليها إلى ساحات نزاع وصراع موارد.
ويعرقل جهود الاستثمار والاستقرار من خلال إضعاف المؤسسات الاتحادية العراقية.
2. المشروع الإبراهيمي يشجع على الاستثمار في البنى التحتية والتكنولوجيا والطاقة، وقد يوفر فرصة للإقليم للدخول في شراكات تجارية مع إسرائيل والخليج.
لكن أي انخراط مباشر قد يعرض الإقليم لضغوط من محور المقاومة، ويشعل التوترات مع بغداد وطهران.
خامسًا: التأثيرات الفكرية والهوياتية
الهلال الشيعي يُعيد تشكيل الوعي الطائفي في المنطقة، ويروّج لفكرة “الهوية الشيعية العابرة للدولة”، مما يُهدد التعددية الإثنية والدينية، خصوصًا في العراق. بينما يروّج المشروع الإبراهيمي لفكرة “السلام عبر الدين المشترك”، لكن دون معالجة جذور الصراع، خصوصًا ما يتعلق بالقضية الكوردية .
في ظل ذلك، يبقى الوعي القومي الكوردي عرضة للاختراق أو الإضعاف، سواء بالتهميش الطائفي أو بالتطبيع المفرغ من المضمون السياسي التحرري.
سادسًا: أي الخيارات أمام كوردستان؟
1-الحياد الذكي: أن تحافظ كوردستان على علاقات متوازنة مع المحورين دون الارتهان لأي منهما.
2-توظيف الجغرافيا: الاستفادة من الموقع كممر اقتصادي يربط تركيا بالخليج وإيران بسوريا، لا كساحة صراع.
3-بناء الاقتصاد المستقل: تقليل الاعتماد على بغداد من خلال تنويع الشراكات، مع الخليج وأوروبا، دون إثارة استفزاز المحور الإيراني.
4-تعزيز الهوية الوطنية الجامعة: لحماية المجتمع الكوردي من الانقسام المذهبي أو الانجرار وراء المشاريع الخارجية دون وعي استراتيجي.
تقف كوردستان اليوم أمام معادلة دقيقة: أن تبقى مستقلة في القرار، فاعلة في التوازن، دون أن تتحول إلى طرف في صراع ليس طرفًا فيه.
الهلال الشيعي يريدها تابعًا، والمشروع الإبراهيمي يريدها ممرًا. لكن بإمكان كوردستان أن تفرض نفسها فاعلًا شريكًا، لا ساحة نفوذ.
لمواجهة تناقضات المشروعين، تحتاج كوردستان إلى تبنّي سياسة خارجية متوازنة ترفض الانجرار خلف المحاور المتصارعة. الحل يبدأ بتقوية الداخل عبر اقتصاد منتج ومؤسسات حيوية مستقلة. كما يجب تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية على أساس المصلحة لا الولاء. الاستثمار في الحياد الإيجابي والدبلوماسية النشطة سيمنح كوردستان هامش مناورة أوسع. وأخيرًا، توحيد الصف الكوردستاني داخليًا هو الضمان الحقيقي لحماية القرار الوطني من الضغوط الخارجية.