(العشيق)قصة لسيلفيا مورينو

 

محمد عبد الحليم غنيم

قِيلَ لها إنها ستعرف دائمًا متى سيأتي حبيبها من خلال تعويذة عرافة. كانت لعبة تلعبها مع فتيات القرية الأخريات — معتقدات غريبة تنتقل من جيل إلى جيل. كانت التعويذة تتطلب أن تخلع العذراء قميص نومها وتضعه تحت وسادتها ليلة اكتمال القمر. فتحلم بوجه رجل، وفي الصباح، تجد شيئًا عند عتبة بابها يعطيها دليلًا عن هوية زوجها المستقبلي. لم تستطع جوديث أن تتذكر الوجه عندما استيقظت. ومع ذلك، بعد أن ارتدت ملابسها في عجلة، بالكاد تكلفت عناء تمشيط شعرها، رأت غصينًا على درجات منزلها. عرفت أنه يرمز إلى الأشجار، إلى الغابةوكان ذلك جيدًا، لأنها كانت تكره القرية وسكانها، وتُفضل بدلاً من ذلك تخيل مناظر الأراضي البعيدة وفي قصور رجالٍ وسيمين من طبقة النبلاء.

وبعد بضعة أشهر، تحققت النبوءة. دخل غريب إلى القرية متعثر الخطى. كان صيادًا، يرتدي معطفًا رماديًا من الصوف وحذاء أسود يصل إلى منتصف ساقه، يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يخطو إلى داخل المتجر. تظلّل وجهه قبعة واسعة الحواف. في الفترة من الربيع وحتى الخريف، كان يُقام سوق للمزارعين كل أسبوعين، لكن في قسوة الشتاء، كان متجر أختها من الأماكن القليلة التي يمكن للمسافر أن يبتاع منها بعض الضروريات.كانت أليس قد تزوّجت زواجًا جيدًا. وحين مات زوجها، ترك لها بيت الضيافة ذو الباب البنفسجي، والمتجر الملاصق له.

كان هناك نُزل في القرية، لكنه أغلق أبوابه حتى ذوبان الجليد. أما الحانة، فكانت أسرّتها موبوءة بالبراغيث. كل من احتاج مكانًا لائقًا للمبيت في فصل الشتاء، قصد بيت الضيافة. قال الرجل وهو يدخل المتجر ويخلع قبعته:

– قيل لي إنك تعرفين كيف أجد غرفة أقيم فيها.

كان ذا شعر بني فاتح، ووجه وسيم الملامح وقويّ التكوين. أنزلت جوديث الكتاب القديم الذي كانت تقرأه، وأومأت برأسها:

أختي تدير بيت الضيافة المجاور. الغرف نظيفة، والطعام وفير.يمكنك أن تلقي نظرة على الغرف قبل أن تدفع، إن أحببت.

قال مبتسمًا:

– أعتقد أنها ستكون مناسبة. تبدين أهلًا للثقة، وإن لم يكن السعر باهظًا، فسأكون راضيًا.

ابتسم لها ابتسامةً كادت أن تسقط الكتاب من يدها. قالت:

– تعال معي.

أرشدت الرجل. وبينما كانا يسيران معًا، فكرت: “إنه هو، إنه هو، إنه هو”.

كان اسم الصياد ناثانييل، وبقي طوال ذلك الشتاء، يستكشف الغابات والجداول القريبة، ثم يعود محمّلًا بالأرانب والثعالب التي تُسلخ جلودها لاستخدامها في صنع الفرو. كان الضيف الوحيد في المنزل، رغم أن أليس وجوديث والأطفال كانوا يعيشون هناك أيضًا.

قبل أن تتزوج أليس وتلد طفلين، عاشت الشقيقتان مع الجدة في منزل أصغر. كانت جوديث مضطرة لمساعدة الجدة في غسل الملابس التي كانت تتلقاها من الناس، فخشنت يداها منذ كانت طفلة صغيرة. أما أليس، فلم تضطر أبدًا لفرك قطع الصابون على الملابس، لأنها كانت جميلة، وتوقعت الجدة أنها ستتزوج رجلًا نبيلًا. وهذا ما حدث. انتقلت الجدة وجوديث للعيش في بيت الضيوف مع أليس، وبينما استطاعت أليس شراء فساتين مخملية وقفازات تدفئ يديها، وعاشت الجدة بقية أيامها في راحة، ظلّت حياة جوديث كما هي، لم تتغير.

كانت جوديث قد بلغت الثامنة عشرة من عمرها، لكنها ما زالت تغسل الملابس؛ غير أنها الآن تغسل لأليس، والتوأمين، والضيوف كذلك.

كان اسم الصياد ناثانييل، وكان وسيمًا أكثر مما يبدو للوهلة الأولى، بعينين جميلتين تعبران عن الكثير وضحكة مُبهجة. كان يحلق ذقنه بدقة ويمشط شعره بأناقة. كان يحكي في العشاء قصصًا تجعل الأطفال يصرخون من الفرح — كان التوأمان في الرابعة — وتجعل أليس تبتسم. كانت جوديث تبتسم هي الأخرى، وتغسل ملابسه بأقصى درجات الحرص، وتفرك أرضية غرفته حتى تبرق، وتنفض الغبار عن أرجاء المنزل لتضمن أنه لن يجد ما يشتكي منه. كان ناثانييل يتمتع بمظهر رجل نبيل، وأرادت أن تعاملَه على هذا الأساس. كان يقول: ” صباح الخير، جودي. ” كم بدا صوته جميلًا—عميقًا ونقيًا. وكانت تسأله: “صباح النور. ما الذي تأمل في صيده اليوم؟” فيخبرها إن كان يأمل في الحصول على فراء ثعالب أو ظربان، أو شيء آخر. ويتحدث عن قطع الأوتاد أو بناء المصائد، وكيف كان يصطاد في وقت فراغه في شبابه، لكنه الآن يحاول أن يصبح صيادًا محترفًا، فهناك مالٌ يُكسب في هذا العمل إن كان المرء ماهرًا بما يكفي. وكان المال هو ما يسعى إليه. ثم يلوح لها مودعًا بغمزة وابتسامة. وفي مناسبات قليلة، كان يوجه لها إطراءً ، كان يقول : “جودي الجميلة، أراك لاحقًا” مما يجعلها تحمر خجلاً.

لسوء الحظ، لم يكن ناثانييل هو الوحيد الذي كان يصطاد ذلك الشتاء. لم تدرك جوديث ذلك إلا بعد فوات الأوان. كانت أليس ترتدي ملابس الحداد منذ عام، وفي أول أيام الربيع، أعلنت أن هذا يكفي. وعادت إلى ارتداء الفساتين الملونة التي تركتها في خزانتها.

وبعد ذلك بوقت قصير، أصبح واضحًا للجميع في البلدة — ما عدا جوديث ربما، التي حجبت أحلامها وخيالاتها الجامحة رؤيتها — أن أليس كانت تفكر في جعل الضيف ضيفا دائمًا في منزلهم. كان شابًا وسيمًا، وتهامس القرويون: كان زوج أليس الأول مريضًا،دميمًا، وثروته كانت تعويضًا عن قبحه.أما هذه المرة، فالأمر مختلف — الشاب قد كسب ودّ السيدة بسحره ووسامته. ورغم أن البعض رفعوا حواجبهم استغرابًا لهذا الزواج السريع، إلا أن الجميع اتفقوا على أنه لا يمكن توقع أرملة في الثالثة والعشرين أن تدير عملًا ومنزلًا بمفردها. كان الصياد مهذبًا؛ يستطيع القراءة والكتابة والحساب. ويستطيع إجراء أعمال في البلدة لا تستطيع أليس القيام بها. سيكون زوجًا ثانيًا مناسبًا.

كان اسم الصياد ناثانييل، وتزوج أليس في الصيف. انتقل من غرفته في الطابق الأرضي إلى إحدى الغرف في الطابق العلوي. اشترت له زوجته ملابس جديدة، وحقيبة حلاقة من الجلد الفاخر، وساعة جيب مطلية بالفضة. استمرت الحياة كما كانت من قبل، إلا أنه الآن كان يدخل المتجر في أيام معينة لمراجعة الحسابات ويصدر الأوامر للصبي العامل خلف المنضدة.

كان اسم الصياد ناثانييل، وللأسف، لم يكن عاشق جوديث.

في الخريف، جلست جوديث خارج المنزل على نفس الدرجات حيث وجدت ذات يوم غصيناً وظنته نذيراً بالرومانسية. نظرت باتجاه الغابة التي تمتد قريباً منهم، والأشجار تتحول من الأخضر إلى الذهبي إلي الأحمر.

أخبرها ناثانيل وهو ينزل ليقف بجانبها:

– سيكون شتاءً قاسياً.

سألته:

– كيف تعرف؟

قال:

– أستطيع أن أخمن. السماء تحذرنا

لكنها فقدت اهتمامها بالعلامات، فهزت كتفيها بلا مبالاة تجاه تنبؤه. قال:

– نعم، سيكون شتاءً قاسياً. يجب أن تتوقفي عن جمع الفطر. الذئاب ستكون متلهفة لأي لقمة، وقد أصبح الجو بارداً جداً على أي حال، ثم، للحظة، انتشرت قشعريرة في جسدها، إحساس خافت بالخوف. هزت رأسها باستخفاف. قالت:

– الذئاب لا تتجول أبداً بهذا القرب منا .. عشت هنا لفترة أطول منك .

استمرت في هز سَلَّتها والزحف إلى الغابة، رأسها منحنية وهي تبحث عن فطر الشانتيريل الذي ينبت حول أشجار الدردار والبلوط. مع تقدم الخريف، اضطرت للذهاب إلى أعماق الغابة، عبر الجدول، حتى وصلت إلى بستان التفاح القديم المليء بالأشجار الميتة.

بجوار البستان كانت هناك كوخ مهجور. تمتلكه عجوز، صديقة للجدة، كانت تعيش هناك، وفي بعض الأحيان كانت جوديث تحمل لها طرداً مقابل حلوى. لكن العجوز غادرت منذ عامين وانتقلت لتعيش مع ابنها. ما زالت تملك الكوخ، لكنها لم تعد تزوره. أوكلت العناية به إلى أخت جوديث، لكن جوديث هي التي اعتنت به. نما النبات وانتشر، يضرب الهيكل الذابل، لكن السقف بقي صلباً. أحياناً كانت جوديث تدخل، تشعل النار وتجلس على السرير الصدئ لتقرأ، هرباً من المتجر ونزل الضيافة.

كانت الجدة توبخ جوديث عندما تمسكها تقرأ، قائلة إن هناك أعمالاً منزلية يجب إنجازها، لكنها لم توبخ أليس عندما كانت تقف أمام المرآة تمشط شعرها، أو عندما تجلس في الصالون تنظر إلى مجلات الموضة. ماتت الجدة، والآن تستطيع جوديث أن تفتح كتاباً حتى يُصدر ظهرها صوتاً، جالسةً بلذة شرسة في دفء الكوخ لبعض الوقت.

في أحد الأيام، بينما كانت تقف خارج الكوخ تعد الفطر الأصفر الكبير في سَلَّتها، مرّ ناثانيل بخطوات واسعة. قال:

– الوقت متأخر أختك قالت إنه يجب عليّ إحضارك.

أزعجها تدخله، وأزعجها أكثر أن أليس أخبرته أين يمكن أن يجدها. كانت هذه البقعة مكاناً تلعب فيه الفتاتان معاً عندما كن أصغر سناً، قبل أن تتزوج أليس وتتظاهر بالأهمية، تدهن كريماً غالياً من اللوز على وجهها وتعطر مناديلها بالعطور. قال:

– غداً يوم السوق، تريد أليس أن تعودي إلى المنزل وتُهيئي الأسرة. هناك ضيوف سيصلون لقضاء الليل.

 

 

 

قد يعجبك ايضا