العروس المتوهّجة/2

 

محمد عبد الحليم غنيم

هكذا كانا يتبادلان ألعاب الغزل البريئة.

هكذا مر الصيف في ظل هذه اللحظات السعيدة. كان ميبو قد عمل بجدٍ لا يكل لحرث الأرض حتى أصبحت ناعمة كفراشٍ وثير. لم يترك حتى عشبةً ضالةً قائمة، فما بالك بالأعشاب الضارة. تغطت يداه بالجروح من قلع السيقان اليابسة المتشابكة. وكانت أنجو تأتي لتنفث نسماتها الباردة الناعمة على تلك الجروح، وتنزع الأشواك من قدميه برقةٍ تشبه دبيب النمل على الرمال.

وعندما هطلت أمطار الموسم، كان الحظ السعيد يغمر ميبو كما تغمر الأمطار الأرض العطشى. نبتت سيقان الذرة الرفيعة والدخن بضخامة حتى لم يعد بمقدوره أن يمسك واحدة منها بقبضة يده. وفي ظهيرة أحد الأيام، بينما كان ميبو يحدق بلا رمش في المحصول الشامخ، سألته أنجو:

فيما تحدق هكذا؟

فأجاب وهو يبتسم:

– أحاول أن أعرف إذا ما كان هذا المحصول كافياً لإقناع امرأة بالزواج مني هذا العام.

فتقول أنجو بخبث:

– وماذا لو لم تكن بحاجة إلى أيّ من هذا المحصول لتحصل على زوجة؟

فيجيب ميبو ببراءة:

– عندها سيُقال عني إنني يتيمٌ معدم، لا يملك شيئًا ليقدّمه لعروسه!

تم تحديد موعد يوم الحصاد الكبير. وخلال الأيام التي سبقت الموعد، كان ميبو يقطع ربطة من الحشيش الأخضر كل يوم ويهديها إلى الحداد في القرية. كانا قد صارا صديقين مقرّبين، وقد صنع له الحداد منجلًا صغيرًا. وبعد أن صيغَ المنجل المعدني، تم تنظيفه وشحذه بماء بئر رانافاف. لقد أصبح ذا شفر حادّ للغاية، كالسيف، لو اقترب من جسدٍ لقطع أطرافه بضربة واحدة.

وفي صبيحة يوم الحصاد المنتظر، حمل ميبو منجله الجديد وبدأ يقطع سنابل المحصول ببراعة. بحلول الظهيرة، كان قد حصد ثلاثة أرباع الحقل! جاء كيتو باتِل ليتفقد الأرض، ثم عاد إلى بيته مذهولًا، وعيناه جاحظتان. قال لزوجته:

– يا باتلاني، لقد خسرنا! بحلول الليل، سيكون ذلك الفتى قد حصد كل ما في أرضنا. وبحسب الاتفاق، كل ما يحصده سيكون ملكًا له. فماذا سنأكل بقية العام؟

سمعت أنجو كلام أبيها، فبدأت تتزين بأفضل ما لديها: ارتدت تنورة أرجوانية فاخرة مطرزة بقطع المرايا لجلب الحظ، وشالاً قرمزيًا كعروس لتغطية رأسها. سرحت شعرها وضفرته بطريقة العرائس، وملأت فراق رأسها الـسيندور الأحمر القاني، مثل العرائس الجُدد.

في هذا اليوم الخاص، خرجت أنجو مبكرًا كالمعتاد ومعها وجبة ميبو، لكنها أعدت له مفاجأة: حلوى “لابسي” شهية، صنعتها من دقيق القمح المحمص، وسكر الجاجري، والحليب الكريمي، والمكسرات، والفواكه المجففة.

جلس ميبو ليأكل، لكن قلبه كان مضطربًا اليوم. راحت أنجو تثرثر في مواضيع شتى لإبقاء الأجواء مرِحة، لكنه لم يُبدِ أيّ اهتمام. أسرع بحشو فمه ببضع لُقيمات، ثم غسل يديه إشارةً إلى أنه انتهى من الأكل. قدمت له أنجو حبة الهيل المعطرة التي كانت مربوطة بطرف شالها – وهي عادة بعد الأكل – لكنه رفض حتى هذه الهدية النفيسة اليوم. نهض ميبو فجأة…

– اجلس الآن، هيا! لن تبقى بلا زوجة إن فوّتَّ حصاد سنبلتين فقط.

لكن ميبو لم يرضخ لها. ولم يبتسم حتى لمزحتها. قالت:

– اليوم، رؤوس الحَبّ أعزّ عليك من أنجو، أليس كذلك؟

لكن قلب ميبو لم يَلِن. قالت تتوسّل:

– حسنًا، سأزوّجك بعروسك المستقبلية مجانًا! اجلس معي قليلًا فقط… انظر إليّ، على الأقل!

لكن ميبو أدار وجهه إلى الجهة المعاكسة، ومضى نحو سيقان الزرع الناضجة. قالت وهي تهرع إليه:

– انتظر… لماذا لا تستمع إليّ؟

كان مقبض المنجل قد ثُبّت في حزام قميص ميبو،

وكان نصله المُقوّس يتدلّى بتراخٍ حول عنقه — كما هي العادة بين عمّال الحقول حين يتوقفون عن الحصاد لأخذ قسط من الراحة. وفي اندفاعها البريء المليء بالحبّ، أمسكت أنجو بمقبض المنجل وجذبته نحوها قائلة:

– لن تتوقف، أليس كذلك؟

فتوقّف ميبو. توقّف إلى الأبد.بمجرد سحبة صغيرة،غاص ذلك المنجل المشحوذ بماء رانافاف عميقًا في عنقه.وقبل أن ترفع أنجو ذراعها للإمساك بالمقبض، كان ميبو قد ابتسم لها ابتسامة صغيرة، خفيفة. وظلّت تلك الابتسامة — مثل الضحكة المجمدة — عالقة على وجهه إلى الأبد.

في تلك اللحظات الأخيرة، تحققت أمنية ميبو بالزواج. نعم، تزوج ميبو. بذات الثياب الفاخرة التي لبستها يوم الحصاد – ذلك التنّور الأرجواني الداكن المطرّز بقطع المرايا الصغيرة لجلب الحظ، وذلك الرداء القرمزي الطويل الذي تتهادى خيوطه الذهبية – تمدّدت أنجو إلى جانب جثمان حبيبها ميبو على محرقة جنائزية . باركهما إله النار “أجني” بسريرٍ زفافيّ من الجمر المتوهّج، بلون الورود الحمراء.

ومنذ ذلك الحين، يُردّد الناس هذه الأبيات تخليداً لذكرى العاشقين:

منجلٌ حادّ وقوي،

يحصد الأرواح ويكدّسها عالياً.

عذراءٌ في رانافاف، وادعة العين،

تصعدُ إلى فراشٍ مشتعل لتموت طائعة.

ومنذ ذلك الحين، ظلّ بئر رانافاف الشهير مُغلقًا ومدفونًا تحت الأرض ، مدفوناً في أحضان النسيان. واليوم، يقوم نُصُب تذكاري كبير في الموقع الذي كان فيه البئر ذات يوم. لم يعد هناك أي أثر مرئي للبئر نفسه، سوى الأبيات الشعرية المنقوشة التي تحكي قصته، كشاهد وحيد على ما كان.

ملاحظة المؤلف: لقد مُنحت الشخصيات في هذه القصة أسماءً خيالية، حيث تعذّر التأكد من الأسماء الحقيقية. والقصة مُترجمة عن اللغة الغوجاراتية بواسطة جيني بهات، وهي مأخوذة من كتاب:جوهر سوراشترا: حكايات شعبية من غوجارات”، المجلد الثاني.

 

 

قد يعجبك ايضا