د . صباح ايليا القس
شاعر الدولة السلجوقية واسمه اسماعيل بن الحسين كان ممن يشار له بالبنان متسيدا على شعراء عصره وزمانه , وكان من المفتونين بشعر المتنبي حتى انه بدأ بالتقليد حتى استوى على قدر وافر من الابداع اذ يمكن جعله من تلاميذ المتنبي على الرغم من بعد المسافة بين الرجلين .
والطغرائي لقبه الذي عرف به بسبب اعتماد السلاجقة عليه حتى انهم أسندوا اليه رئاسة ديوان الطغراء .
والطغراء يعني اولا نوعا من الخطوط الكتابية الابداعية التي شاعت عند العثمانيين , والمعنى الثاني أن بعض الكتب المهمة في اللغة والادب ونظرا لنفاستها كانت توضع لها زخارف ونقوش في صفحاتها الاولى والاخيرة ..
وكان الطغرائي وهو يدير ديوان الكتابة والرسائل والانشاء متميزا في هذا العمل فضلا عن ديوان الوزارة لما كان يشتمل عليه من قدرة ادبية وطاقة فنية وابداعية .
الانسان طموح وطماع وهذا ما جعل الطغرائي وهو اذ رأى نفسه في موضع متقدم في صناعة الكتابة وادارة شؤون الوزارة ان يطمع ليكون وزيرا , لكن الحساد كانوا له بالمرصاد , فرسموا له خطة وجعلوا الدسائس وسيلتهم والسحر والكفر سلاحهم حتى تم لهم ما ارادوا ولقي مصرعه وكان قد تجاوز الستين من العمر .
قلنا انه كان مقلدا للمتنبي لذلك كان المتنبي استاذه في اساليبه وافكاره الشعرية على الرغم من قدرته التي مارسها في صناعة الانشاء وادارة مراسلات الوزارة .. لذلك كان شعره متماسكا لفظا واسلوبا وجزالة وقافية وافكارا زينت قصائده بالحكم والامثال ..
كل شيء الى نهاية وهكذا كانت نهاية الطغرائي اذ عزلوه من منصبه فعاد الى البيت وحيدا يائسا بائسا فلجأ الى الشعر يعزي به نفسه فقال معاتبا العراق :
أهاب به داعي الهوى فأجابا وعاوده نكس الصبا فتصابى
مللت ثوائي بالعراق وملّني رفاقي وكانوا بالعراق طرابا
يمكن ملاحظة روح الحزن الطاغية على البيتين فضلا عن العتاب الذي يتضمنه البيت الثاني والخسران في نكس الصبا ..
واذا عدنا الى غربلة ديوانه فاننا نرى انه كان معروفا بفنون الفخر والحكم والامثال وهذا يأتي من تأثير المتنبي على موضوعاته واغراضه الشعرية ..
وعلى سبيل الاستثناء نجد له نصا في العتاب او الهجاء لمن عادوه وقللوا من شأنه فقال :
ما كنت أُوثر ان يمتد بي زمني حتى أرى دولة الاوغاد والسَفَل
تقدمتني اناس كان شوطهـــــم وراء خطوي اذ أمشي على مهل
اما في غرض الفخر الذي ابدع وفيه جارى استاذه المتنبي في الاعتداد بالنفس والمباهلة بالقدرة والاقتدار فقال :
أبى الله أن أسمعوا بغير فضائلي اذا ما سما بالمال كلّ مســــوَّد
وما منصب إلا وقَدري فوقــــــه ولو حطّ رحلي بين نسر وفرقد
الذين يعرفون المتنبي واسلوبه وفخره وسمو همته سيلاحظون ان روح المتنبي تسكن في جمجمة الطغرائي وليس في ذلك عيب ولا انتقاص