أزمة قانون النفط والغاز بين بغداد وإقليم كردستان: جذور الصراع وتداعياته

د. جمال السعدي

أعادت زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، السيد مسرور بارزاني، إلى الولايات المتحدة، وما رافقها من توقيع عدد من العقود مع كبرى الشركات الأميركية، ملف “قانون النفط والغاز” إلى واجهة الأحداث من جديد. وقد صرّح بارزاني حينها أن هذه العقود ستعود بالنفع على جميع أبناء الشعب العراقي، وستُسهم في معالجة العديد من المشاكل المالية التي تواجهها كل من الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم. لكن هذا التطور جاء في ظل أزمة متفاقمة تمثّلت بقطع رواتب موظفي إقليم كردستان، وما نجم عن ذلك من ضغوط اقتصادية خانقة ألقت بظلالها على الشارع الكردي.

تعود جذور هذه الأزمة إلى العام 2005، حين أُقرّ الدستور العراقي، ومنذ ذلك الحين لم يُحسم ملف إدارة الثروات النفطية، لا سيما في ظل الخلاف المستمر بين بغداد وأربيل حول تفسير المواد الدستورية ذات العلاقة، خصوصا المادة (112). وقد تفاقم هذا الخلاف بسبب الفهم المحدود لدى بعض الكتل السياسية لطبيعة النظام الفدرالي، إلى جانب غياب التوعية الإعلامية الصحيحة بهذا المفهوم، إذ ما يزال قسم من العراقيين ينظرون إلى الفدرالية وكأنها تهديد لوحدة الدولة، رغم أن الفدرالية نظام متبع في أكثر من 25 دولة حول العالم، منها دول متقدمة مثل الولايات المتحدة وسويسرا وكندا وأستراليا، وحتى دولة عربية مجاورة مثل الإمارات العربية المتحدة، التي تُعد نموذجا ناجحا لاتحاد فيدرالي.

أول محاولة عملية لتنظيم القطاع النفطي في الإقليم كانت بإصدار حكومة كردستان “القرار رقم 30” في عام 2005، لتنظيم عمليات الاستثمار في هذا القطاع. وفي عام 2007، جرت محاولة في البرلمان العراقي لسنّ قانون موحد للنفط والغاز، لكنها لم تكتمل بسبب الخلافات السياسية. وفي تطور لافت عام 2022، قضت المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون النفط والغاز المعمول به في الإقليم، مطالبة حكومة كردستان بتسليم عائدات النفط التي جرى تصديرها خلال السنوات الماضية إلى الحكومة الاتحادية.

من جهة أخرى، رفعت وزارة النفط العراقية دعوى تحكيم دولية ضد تركيا في عام 2014، متهمة إياها بخرق الاتفاقيات الثنائية من خلال سماحها لحكومة الإقليم بتصدير النفط بشكل مستقل. وبعد سنوات من التقاضي، حكمت المحكمة لصالح العراق في عام 2023، مما أدى إلى إيقاف تدفق النفط من الإقليم عبر خط جيهان، وهو ما تسبّب بخسائر مالية جسيمة قُدّرت بمليارات الدولارات، كما اضطرت شركات نفطية كندية لتعليق عملياتها، وارتفعت أسعار النفط عالميا إلى قرابة 80 دولارا للبرميل. ويُطرح هنا تساؤل مهم: كيف تُقدِم شركات عالمية تمتلك كوادر قانونية وإدارية متخصصة على توقيع مثل هذه العقود دون أن تأخذ في الحسبان التعقيدات الدستورية والقانونية في العراق؟ وكيف قامت محاكم عراقية في السابق بالمصادقة على بعض هذه العقود، قبل أن تُبطلها المحكمة الاتحادية لاحقا؟

يرى إقليم كردستان أن له الحق في التعاقد مع الشركات النفطية العالمية بناء على تفسيره للمادة (112/أولا) من الدستور، والتي تنص على أن الحكومة الاتحادية تدير النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية بالتنسيق مع الأقاليم والمحافظات المنتجة، مع توزيع العائدات بشكل عادل بناء على النسبة السكانية. إلا أن الإقليم يعتقد أن النص يُقيد الحكومة الاتحادية بإدارة الحقول الحالية فقط، ولا يشمل الحقول المستقبلية، مما يفتح المجال قانونيا أمامه للتصرف في الموارد التي لم تكن مكتشفة أو منتجة عند كتابة الدستور. ويُثير هذا التفسير الكثير من الجدل، خاصة في ظل غياب توضيحات رسمية لمحاضر لجنة كتابة الدستور بخصوص مصطلح “الحالية”.

واستنادا إلى هذا الفهم، أصدر الإقليم قانونه الخاص بإدارة النفط والغاز عام 2007 (رقم 22)، واعتبر أن جميع الحقول التي بدأت الإنتاج بعد تاريخ 15/8/2005 تندرج ضمن تصنيفه للحقول المستقبلية، ما يعني أنها تخضع لإدارته الحصرية دون تدخل من الحكومة الاتحادية. ويستند هذا التوجه أيضا إلى المادة (115) من الدستور، التي تمنح الأقاليم صلاحية إدارة الملفات غير المنصوص عليها ضمن الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية.

بمراجعة المادة (110) من الدستور، نجد أنها تحدد الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية، وتشمل السياسة الخارجية، الأمن الوطني، السياسة المالية، تنظيم الجنسية، الموازنة العامة، وغيرها. لكن اللافت أنها لا تتضمن أي إشارة صريحة إلى صلاحية الحكومة الاتحادية في إدارة أو استغلال الحقول النفطية المستقبلية. كما أن المادة (114)، التي تحدد الصلاحيات المشتركة، لم تذكر هذا الأمر كذلك. هذا الغياب التشريعي فتح الباب واسعا أمام الإقليم لتفسير الدستور بما يسمح له بإبرام العقود وتنفيذ المشاريع النفطية منفردا.

ويعزز الإقليم موقفه بالمادة (121) من الدستور، والتي تنص على أن للإقليم سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية ضمن حدود اختصاصاته، مع الحق في تعديل تطبيق القوانين الاتحادية إذا تعارضت مع قوانينه المحلية، شريطة ألا تكون متعلقة باختصاصات حصرية. وقد أدى هذا الأساس الدستوري إلى تأكيد الإقليم لحقه في تنظيم قطاع النفط والغاز ضمن أراضيه بشكل مستقل، وتنظيم عقوده استنادا إلى قانونه الداخلي لعام 2007.

بعد صدور قرار محكمة التحكيم الدولية لصالح العراق، ظهرت محاولات جديدة لإيجاد صيغة توافقية بين بغداد وأربيل وأنقرة، حيث اقترحت بغداد تأسيس شركة تشغيل مشتركة تُشرف عليها شركة “سومو” بالتعاون مع حكومة الإقليم، وتتولى إدارة صادرات النفط. كما اقترحت بغداد أن يتم تسليم 500 ألف برميل يوميا إلى سومو مقابل تحويل حصة الإقليم من الموازنة بشكل منتظم. غير أن الاتفاق النهائي تأخر بسبب استمرار الخلافات، وتحديدا بعد توقيع الإقليم عقودا جديدة مع شركات أميركية خلال زيارة مسرور بارزاني إلى واشنطن، وهو ما عدّته بغداد تجاوزا جديدا في ظل غياب القانون الاتحادي المنظم لهذا القطاع الحيوي.

في ظل هذه التعقيدات، تبرز الحاجة الملحة إلى تشريع قانون اتحادي شامل للنفط والغاز، ينظم العلاقة بين المركز والأقاليم، ويضع حدا لتداخل الصلاحيات والتفسيرات. كما أن العقود التي أبرمها الإقليم مع الشركات الأميركية يجب ألا تُقرأ بمنظور الانقسام أو فرض الأمر الواقع، بل كفرصة للتكامل وبناء الثقة وتجاوز الأزمات، لا سيما أن استثمار الثروات الطبيعية بشكل عقلاني ومسؤول يصب في مصلحة جميع العراقيين. وهنا يبرز سؤال آخر أكثر إلحاحا: كيف يتم رفض بعض المبادرات الوطنية لتطوير الغاز في الداخل، في الوقت الذي يجري فيه التحضير لاستيراد الغاز من الخارج بأسعار مرتفعة وشروط مرهقة؟

إن أزمة النفط والغاز في العراق هي أكثر من مجرد خلاف حول العقود والصلاحيات؛ إنها انعكاس لغياب الرؤية الوطنية المشتركة، ولتراكم إشكاليات دستورية وإدارية منذ عام 2005. وحلّها يتطلب العودة إلى نص وروح الدستور، وإرادة سياسية تضع مصلحة العراقيين فوق كل اعتبار، وتحترم مبادئ الشراكة والعدالة. آن الأوان أن تتحول هذه الثروات إلى وسيلة لتعزيز الاستقرار والتنمية، لا إلى أداة للصراع والانقسام.ا .

قد يعجبك ايضا