الأستاذ الدكتور : نزار الربيعي
تعد البطالة واحدة من المشاكل المزمنة والخطيرة التي تواجه الاقتصاد العراقي لما لها من اثار اجتماعية وسياسية واقتصادية وخيمة.وقد استفحلت هذه المشكلة منذ ثمانينات القرن الماضي أثر تزايد اعتماد العراق على قطاع النفط، والتوسع غير المخطط لقطاع الخدمات غير المنتجة والقطاعات المتصلة بالمؤسسة العسكرية، مترافقا مع إهمال القطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة، وإهمال الاستثمار الإنتاجي في النشاطات المدنية وتزايد سيطرة النخبة الحاكمة على مؤسسات الدولة وتسريح ما يقرب من مليون مجند عقب انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية ، ليدخلوا سوق العمل من دون مهارات تؤهلهم للحصول على عمل ذي دخل مجز. وتفاقمت حدة المشكلة في ظل الحصار الاقتصادي ، وتدهور مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتراجع مستويات المعيشة وتزايد معدلات البطالة والفقر بفعل الحصار، وبعد الغزو الأمريكي كان الاقتصاد العراقي يئن تحت وطأة الظروف القاسية ويعيش في أسوأ حالاته. فقد كان اقتصاداً محطما بفعل الحروب الداخلية والخارجية والعقوبات والإدارة السيئة وتوقف عملية التنمية وتدمير البنى التحتية ومؤسسات القطاع العام وتضاؤل الفرص أمام النشاط الخاص وسيادة الفوضى الأمنية والعنف في أنحاء مختلفة من البلد وعدم موائمة النظام التعليمي لمتطلبات سوق العمل التي أدت الى تعطيل شبه كامل للخدمات العامة، وهو ما أدى إلى حدوث نقص حاد في الإنتاج المحلي وتوقف شبه تام في إعادة الأعمار ، وخلال كل تلك السنوات وبرغم الصعوبات فقد تعايش في الاقتصاد قطاعان متمايزان، فإلى جانب القطاع العام كان هناك قطاع خاص حقيقي يوظف ثلثي اليد العاملة، إلا إن معظم تلك الوظائف كانت في اقتصاد الظل.
وفرضت الظروف الاستثنائية مزيداً من الفوضى الاقتصادية. فالأهداف التي أعلنت من جانب سلطة الائتلاف بعد غزو العراق لم تتحقق فتدهور امن الإنسان وزادت حالات البؤس والفقر وتراجعت مؤشرات النمو الاقتصادي وتفاقمت حدة بعض المشاكل كالبطالة والنقص في الطاقة. فضلاً عن أن السير المتعجل وغير المدروس نحو اقتصاد السوق لم يؤد إلى زيادة فاعلية تخصيص الموارد، وإنما قاد إلى تدهور حاد في الطلب المحلي على عناصر الإنتاج مع إغراق السوق المحلية بالسلع الأجنبية بسبب سياسة الاستيراد المنفلت، وتدهور الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وظهور أعراض «المرض الهولندي» على الاقتصاد مجددا بعد اختفائها بسبب العقوبات الاقتصادية، فقد أدى انتعاش الاقتصاد النفطي إلى زيادة الواردات الأجنبية، وفقد منتجو السلع الزراعية والصناعية قدرتهم على منافسة السلع الأجنبية الرخيصة، وأدى ذلك إلى منع نمو استثمارات خاصة داخل الاقتصاد، وقلص بالتالي إمكانية خلق فرص عمل جديدة وتزايد معدلات البطالة.
تعد البطالة من اخطر الآفات التي تفتك بالمجتمع العراقي لما لها من اثار سلبية سواء أكانت اقتصادية ام اجتماعية أو سياسية ،لذا فهي تحتاج الى حلول جذرية لما لها من ارتباط وثيق بمسالة الأمن والأعمار ، اذ لا يمكن القضاء على البطالة ما لم يتحقق الأمن ولا يمكن تحقيق الأمن ما لم يتم استيعاب الإعداد الهائلة من القوى العاملة ، لذا فان الأمر يتطلب كسر الحلقة المفرغة والمحكمة بين الأمن والبطالة ، وعلى الرغم من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لغرض التخفيف من حدة هذه المشكلة الا انها غير كافية في الحد منها،وتجدر الإشارة الى ان بعض الإجراءات قد تكون لها آثار سلبية في الاقتصاد بعد ان ترهل جهاز الدولة وخاصة بالجانب العسكري ، وهذا يتطلب ان تؤخذ الاثار الاخرى للمسالة بعين الاعتبار.
تتباين معدلات البطالة في العراق في ضوء المعايير المستخدمة في التحليل لكن التباين الأكثر حدة هو بحسب المحافظات التحصيل العلمي ،ففي ضوء المعيار الأول فقد اثر بشكل واضح في حالة الفقر على مستوى المحافظات ، وهذا يتطلب من الحكومة إعادة تخصيص الموارد باتجاه تلك المحافظات ،وفي ضوء المعيار الثاني فان المشكلة تكاد تكون أكبر، وبخاصة انها تمثلت في بطالة الخريجين، وهذا يستلزم إعادة النظر في النظام التعليمي بشكل كامل كي يتناسب مع التطورات الاقتصادية.
و وجود علاقة عكسية بين معدلات البطالة والفئات العمرية ،إذ ينخفض معدل البطالة في الفئات العمرية العالية، ويرتفع في الفئات العمرية الشبابية.
أن أصلاح نظام التعليم وضبط التجارة وإصلاح السياسة المالية ،منح القروض الميسرة والصغيرة والاهتمام بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن تنويع الاقتصاد وتحفيز معدلات النمو الاقتصادي ودعم القطاع الخاص هي إجراءات كفيلة بالحد من البطالة في الأجل القصير مع إمكانية القضاء عليها في الأجل الطويل.