د. مصطفى علي حسين
لقد كان للتطور الصناعي في عالم اليوم أثراً في ظهور منظمات عملاقة ذات فروع متعددة يعمل ضمنها الآلاف من العاملين وفي مختلف المجالات والقطاعات. لذلك لم يعد المدير في المنظمة كما كان سابقا ً قادراً على الإشراف على كافة الأنشطة والفعاليات بصورة مباشرة ولذلك كان من نتائج هذه التطورات بروز التخصص كظاهرة ملازمة لتوسع وتعقيد هذه الإعمال. لذلك انصَبت الدراسات على عامل مهم من عوامل الإنتاج إن لم يكن أكثرها أهمية ( العنصر البشري ) فبرزت خلال الفترة الزمنية ألملازمة لحركة الثورة الصناعية أدارة تهتم وتتخصص بشؤون العاملين ولو بشكل مبسط في بداياتها وباتساع المهام والوظائف المناطة بها رافق ذلك تطور في مسميات تلك الإدارة. فكانت إدارة العاملين، إدارة الإفراد، إدارة الموارد البشرية، وصولا إلى إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية والتي تُعنى بالموارد البشرية في البيئتين الداخلية أعداداً وتدريباً وتأهيلا وتطويراً… والخارجية من خلال متابعة حركة السوق والبحث عن أسواق العمالة الجيدة ذات التكاليف القليلة والتي تعتبر ميزة تنافسية غير قابله للتقليد. وللتعرف على مفهوم إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية ينبغي تفكيك هذه العبارة إلى مصطلحاتها للوصول إلى الفهم الحقيقي لها والى آلية عملها.
فالإدارة كمفهوم والذي يعني ببساطة ألقدرة على تحويل عناصر الإنتاج ( المال، البشر، الموارد الطبيعية، التقنيات ) باتجاه نقطة معينة، غاية ذلك تحقيق الهدف الذي اجتمعت من أجله هذه العناصر وكذلك فأن أدار الشيء أي حوّل وجهته، لذلك يمكن القول على أن الإدارة هي علم وفن ومهنة تحويل عوامل الإنتاج نحو هدف محدد.
إما بالنسبة لمصطلح مورد أو موارد فأن الوصف جاء أبلغ ما يمكن لإعطاء صورة عن آلية عمل هذه الإدارة، فلو نظرنا بإمعان للمصطلح، سنجد أنه ذا بعد استراتيجي خارجي وداخلي، فأن هذه الإدارة مسؤولة عن إرواء ظمأ المنظمة من ( العنصر البشري ) والتي هي بأمس الحاجة إليه لإدارة عوامل الإنتاج المتبقية لتحقيق أهداف وغايات تأسيس أي تنظيم كان وبالتأكيد فأن الإرواء بالمعين الصافي لا يتماثل مع الإرواء بالماء الذي لا يحمل نفس الصفات لذلك كان نجاح هذه الإدارة مرهون في استحصال أنواع من العناصر البشرية ذات مهارات وخبرات وقدرات عالية، فإدارة الموارد البشرية قادرة على بلوغ النبع الصافي من الموارد البشرية في البيئة الخارجية والمحافظة عليها وإعدادها وتأهيلها في البيئة الداخلية.
إما بخصوص مصطلح ألإستراتيجية فقد أستخدم في الأدبيات ألحديثة بشكل واسع وخصوصاً في الأدبيات الإدارية بعد التطور الحاصل في المفاهيم والمهام والوظائف التي تقوم بها الإدارات في مختلف القطاعات، فتغيّر المستويات الفكرية وأنماطها، وأنواع التقنيات المستخدمة، وطرق تنفيذ الإعمال وأدائها…. جعل من استخدام مصطلح ألإستراتيجية والتفكير الإستراتيجي، التخطيط الإستراتيجي وغيرها مما يلحق بذلك، ضرورة لتحديد أنماط التفكير ألحديثة رغم أن الكثير من الباحثين لم يتفقوا على تحديد مفهوم شامل ومحدد للإستراتيجية.
فالإستراتيجية كمفردة اشتقت من كلمة يونانية (Strategos) أي فن القيادة لذا فهي ترتبط بالمهام العسكرية ولقد عرفها قاموس وستر بأنها (علم تخطيط العمليات العسكرية وتوجيهها) ومن ثم تعددت استخداماتها في كافة العلوم الاجتماعية والإدارية والسياسية وغيرها. فمنهم من عرّفها على أنها الغايات ذات الطبيعة الأساسية، ومنهم من قال بأنها تحديد الأهداف والغايات بعيدة المدى مع تخصيص الموارد لتحقيق تلك الأهداف والغايات .