الشاعرة فضل اليمامية / جارية المتوكل    

 

د . صباح ايليا القس

 

بحسب الروايات التي نقلتها كتب التراث العربي فان شعرها يقع في حدود عشرين ورقة من دون تحديد طبيعة تلك الورقة وعدد سطورها .

ومن اسمها نعرف انها قد ولدت في اليمامة ولكن نشأتها كانت في البصرة وهي من المولدات وهناك تربت ونشأت وتعلمت ولاحقا أصبحت هدية قدمت الى المتوكل ..

صفاتها سمراء , حسنة الوجه والقد والجسم , حلوة , أديبة , نصيحة , سريعة البديهة . كانت لنشأتها في البصرة أثر في اجادتها قول الشعر حتى استطاعت أن تجالس الشعراء وترد عليهم بما يتطلبه الموقف في حضرة سيدها ومولاها الخليفة المتوكل ..

تقول الرواية عن قدرتها وحضور شاعريتها ان المتوكل استقبلها يوم قدمت له هدية فسألها أشاعرة أنتِ ؟ اجابت بهدوء :

هكـــذا يزعــــم مـــن باعنـــي واشترانـــــي .. فتعجب المتوكل من اجابتها واستحسن ردها العقلاني المتمكن وعلى الفور طلب منها أن تقرأ له شيئا من شعرها فقالت على الفور ومن دون استعداد مسبق :

استقبـــل المُـــلك إمــــام الهــــــدى        عــــــام ثـــــــلاثٍ وثلاثينــــــــا

إنّــــا لنرجـــــو يـــا إمـــام الهـــدى        ان تمـــــلك الملكُ ثـمــــانينـــــا

لا قـــــدّس الله امـــــرءاً لــم يقــــل        عـــــلى دعائــــي لك : آمينــــــا

فاعجبه قولها وأمر لها بخمسين الف درهم .

وطلب المتوكل من الشاعر علي بن الجهم أن يقول بيتا من الشعر ويطلب من فضل الشاعرة أن ترد عليه فقال :

لاذ بهــــــا يشتكـــــي اليهــــــا          فـلــــم يجـــــد عندهــا مــــــــلاذا

فأخذت الصمت قليلا ثم قالت :

فلــــم يــــزل ضارعــــا اليهــــا           تهطـــــــــــل اجفانـــــــــــه رذاذا

فعاتبـــوه فــــــــزاد عشقــــــــــا           فمــات وجْــــــداً فكـــــان مــــاذا ؟

ففرح المتوكل بردها وقال لها : أحسنت يا فضل وأمر بها بألفي دينار .

كانت فضل الشاعرة من أحسن خلق الله خطّاً وأنصحهم كلاما وابلغهم في تداول الخطاب , واثبتهم عند المساجلات الشعرية التي تجد فيها تحديّا لقدراتها ..

تقول الرواية : انها كانت تجلس في مجلس المتوكل على كرسي تقارض الشعراء بحضرته وكان الشعراء لا يتورعون من مغازلتها والتعريض بمفاتنها بل واستعراض فنونهم الشعرية ظنا منهم انها لا تدرك المعاني المضمرة بينما الحقيقة تقول انها كانت على دراية بالفنون البلاغية بحيث لم يطارحها شاعر إلا وردت عليه بما يليق بما عرض كما نجد ذلك في التعارض بين ابو دلف العجلي في قوله :

قالــــــوا عشقــــتَ صغيــــرة فأجبتهــــم        أشهـــى المطـيَّ الــي مــا لـــم يركـــبِ

كــــم مــن حبــــــــة لؤلـــــــؤٍ مثقوبـــــة        لُبســـــت وحبـــة لؤلـــؤ لــــم تثقـــــــبِ

و واضح ان القصد في الشطر الثاني من البيت الاول انه يريد امرأة بكرا اي عذراء لم يسبق أن تزوجت وكنّى عن الامر بالمطي التي لم تركب .. بينما يفضل في الشطر الاول من البيت الثاني حبة اللؤلؤ المثقوبة لانها سوف تلبس وتظهر للعيان بينما غير المثقوبة ستبقى أسيرة الخزائن فردت عليه بالقول :

إن المطيــــة لا يلــــــذُّ ركوبهــــــا          حتـــــى تــــذلل بالزمـــام وتركــــبِ

والـــــدرُّ ليــــس بنافـــع أصحابـــه         حتــــى يؤلـــف بالنظــــام ويثقــــــب

المطية يقصد بها الحيوان الذي يصلح للركوب .. والمطية تكون شرسة حتى يتم تدريبها وحينها تصلح للركوب اما الدر فهو حبيس الخزائن حتى يثقب وينتظم في القلائد وهي تقصد بهذا عقد الزواج اي النظام العائلي فليس كل امرأة تصلح لمثل هذه المواقف فكيف وهي جارية الخليفة ؟

كانت بينها وبين الشاعر سعيد بن حميد علاقة مودة وحب فقال :

مَنْ لمحبٍّ في أحبَّ في صغـره ؟ فأكملت البيت وقالت : وصار أُحدوثة في كبره فقال : من نظرٍ سَفَّه وأرّقه . فقالت : فكان مبدأ هواه من صبره .

لكنها لم تثبت على هذا الوداد وتعاطفت لاحقا مع بُنان المغني فتركها سعيد بن حميد باحثا عن جارية اخرى لسد الشاغر .

قد يعجبك ايضا