د . صباح ايليا القس
هو عبد الله بن قيس الرقيات شاعر من شعراء القرن الاول الهجري .. والقرن الاول هو زمن التأسيس السياسي والاداري والاجتماعي وهو اوضح معالم التاريخ العربي .. اذ اشتمل على كثير من الحوادث والمتغيرات التي سجلها التاريخ من تحولات وانتقالات شملت حتى المواقع الادارية حيث تكونت الدولة وبانت ملامحها الدينية والسياسية ومدى تأثيرها على الحركة الاجتماعية والعمرانية ..
لا بد من الاشارة الى ما شهده الاسلام في اول انقسام طائفي لا سيما بين الامويين والعلويين ولاحقا تفرق العلويون الى مجاميع اخرى ..
كان لانتشار الاسلام اثر في بناء الحواضر المدنية التي ابتعدت عن المجاميع القبلية وسكن البوادي والقفار اذ جرى الاقتراب من منابع المياه ثم التمدن الذي أدى الى انتشار اماكن اللهو وليالي السمر ودور المرأة في الحياة العابثة اللاهية مع الاشارة الى ان الحياة البدوية لم تتأثر كثيرا بالحياة الجديدة وبقيت على الاغلب حافظة لعاداتها وقيمها وثوابتها المعروفة سوى من تسرب منهم ممن اجبرتهم المساهمة في حملات الفتوح الى الاستقرار في ديار الغربة والاندماج مع مظاهر الحياة الجديدة ..
هذه المقدمة هي اختصار تاريخي أثر في طبائع الشعراء ما جعل تراثهم الشعري يشتمل على أغراض تتناسب وطبيعة البيئة السياسية والاجتماعية وتجدد الموضوعات والفنون ..
ابن قيس الرقيات من الشعراء الذين عرفهم العصر الاسلامي الاول وهو من الشعراء الذين اشتمل شعره على الغزل والسياسة والفنون الاخرى حتى جعله بعض الدارسين من شعراء السياسة وقال الدكتور طه حسين انه من شعراء الغزل وهناك من جعله من أصحاب الاغراض المتعددة ..
ومن يدرس شعره بشكل واسع ودقيق لا يستطيع الا أن يجعله شاعرا متعدد الاغراض والمسارات والفنون وقد اشتمل شعره عليها جميعها والديوان يثبت صحة قولنا .. على ان شيوع ظاهرة الغزل في شعره لا تعده متخصصا في هذا الامر , صحيح انه اكثر من الغزل لكننا لا يمكن أن نغفل الجوانب الاخرى ..
يمكن أن نقول انه وصف العقلية العربية وهي تنطلق في ميدان الحضارة مبتعدة عما ألفناه من شعر المعلقات والجاهليين والشعراء الاسلاميين وأثر الدعوة والقرآن في شعرهم .
ولا يمكن أن نتجاوز أثر المدينة في حياة المرأة العربية وبدء تقبلها للمعطيات الجديدة التي تفرضها طبيعة الحياة المدنية في العلاقات والتعاطي مع الآخر ومدى تأثير ذلك في حركة المرأة وهندامها وثقافتها وحتى وسائل وانواع طبخها .
كذلك لا يمكن أن ننسى التلاقح العربي مع القوميات والاجناس والاديان الأخرى التي تفرضها طبيعة التعايش الحضاري .
نعرف جيدا ان شعر البادية هو شعر فطري يتطابق مع عيش الشاعر مع بيئته لكن الشعراء انفسهم يتغيرون بحسب طبيعة الانتماء الحضاري ..
ولدينا في التاريخ الادبي دليل وشاهد لا يمكن نكرانه او تجاوزه ممثلا بالشاعر العربي علي بن الجهم الذي انطلق من بادية الجزيرة حتى وقف بين يدي الخليف المتوكل فقال مستمدا قوله من محيطه البدوي :
أنــت كالكلـــب فــي حفاظــــك للـــــودّ وكالتيــــس فــي قــــراع الخطـــوب
أنــت كالدلــو لا عــدمنـــــــاك دلـــــوا مــن كبـــــار الـــدلا كبيــر الذنـــوب
ففهم الخليفة قصد مدحه بالرغم من خشونة الوصف ونبل المقصد لكنه أوصى له بدار على دجلة للنزهة والتحضُّر فقال بعد مدة :
عيـــون المهــــا بيــــن الرصافــــة والجســــر جلبـــن الهــوى مــن حيــث ادري ولا أدري
من السهولة ادراك التطور اللغوي والموضوعي لهذا الشاعر وفي مدة قريبة جدا .