د. آمال مدللي
القمة الأميركية الصينية في سان فرنسيسكوالأسبوع الماضي نجحت في إعادةِ الخط الساخنبين قيادة البلدين المتنافسين على قيادة العالم،وخصوصاً الأمور العسكرية منها، لمنع أي سوءِتقدير أو خطر يمكن أن يؤديَ إلى كارثة، كماساهمت في إعادة الاستقرار للعلاقة المتوترة منذسنة.
إلا أنَّ العلاقة بينهما سوف تبقى رهينةَ السياسةالداخلية والاقتصادية بين البلدين، التي تصفهاواشنطن دائماً بالتنافس.
فبالرغم من قول الرئيس الأميركي إنَّ المباحثات كانتصريحة وبناءة، فإنَّ الإجماع في الدوائر السياسيةومراكز الأبحاث وصفت نتيجة القمة بالمتواضعة. وبالرغم من أنَّ الرئيس بايدن تحدث بعد اللقاء عنتقدم مهمّ تمَّ إحرازُه خلال الاجتماع، فإنَّه في الواقعلم يصدر بيان مشترك عمَّا اتفقا عليه، خصوصاً فيالمسائل الاستراتيجية، واكتفى كل طرف بإصداروجهة نظره منفرداً. ما يشير إلى أنَّ وجهات النظر لمتكن متطابقة في كثير من الأمور، وخصوصاًالسياسية منها، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسطوالملاحة في المحيط الباسفيكي وتايوان.
لكن كان مهماً تكرار الرئيس بايدن خلال مؤتمرهالصحافي أنَّ الولايات المتحدة لن تغير سياستهاحول «الصين واحدة». وهذا أمرٌ مهمٌ جداً للصين أنتسمعه من واشنطن، خصوصاً بعد الخطوات التيقام بها بعض أعضاء الكونغرس تجاه تايوان، التيأغضبت الصين وأدَّت إلى تدهور العلاقة الأميركيةالصينية، مثل زيارة رئيسة مجلس النواب نانسيبيلوسي لتايوان السنة الماضية.
بدا واضحاً من تصريحات الرئيسين الأميركيوالصيني أنَّهما لا يريان العلاقة من نفس المنظار.
فبينما أكَّد الرئيس بايدن أنَّ الصين وأميركا فيعلاقة تنافسية، وأنَّ «العالم يتوقع منَّا أن ندير هذاالتنافس بشكل مسؤول لمنع تحوله إلى مواجهة أوحرب باردة»، كان الرئيس الصيني يرى أنَّ «الكرةالأرضية» تتَّسع لهما معاً، كما قال.
ففي خطابه أمام كبار رجال الأعمال ورؤساءالشركات الأميركية، قال الرئيس تشي: «إنَّ ما أفكربه دائماً كيف أدير السفينة العملاقة للعلاقاتالأميركية الصينية بعيداً عن الصخور وأبحر بهاوسط العواصف والأمواج، دون أن نفقد الطريق أوتصطدم». وقال إن «السؤال الرئيسي لنا هو؛ هلنحن خصوم أم شركاء؟ إنَّ هذه هي المسألةالأساسية. إن المنطق بسيط، إذا كان طرف يرىالآخر منافساً رئيسياً وتحدياً جيوسياسياً وخطراً،فإن هذا يؤدي إلى سياسة وأعمال ونتائج غيرمرغوبة».
وأكد أنَّ الصين مستعدة لأن تكون شريكاً وصديقاًللولايات المتحدة، الرئيس الصيني لديه حرية أكبر منالرئيس بايدن في أن يصف نتيجة المحادثات، أوأمله بمستقبل أفضل للعلاقة مع واشنطن، لأنَّه عكسبايدن لا يواجه سنة انتخابية على الباب، وجمهوراًأميركياً وكونغرساً، خصوصاً الغالبية الجمهورية فيمجلس النواب التي تدفع نحو سياسة أكثر تشدداًتجاه الصين.
وبعد سنة من التوتر في العلاقة مع الصين أصبحالأميركيون أكثر سلبية للعلاقة معها. فقد وجداستفتاء أجراه معهد «غالوب» للاستفتاءات فيمارس (آذار) الماضي أن 15 في المائة فقط منالأميركيين لديهم نظرة إيجابية للصين. هذا الرقم كان53 في المائة سنة 2018. ما يعني أن 84 في المائةمن الأميركيين اليوم ينظرون نظرة غير إيجابية إلىالصين.
كما أظهر استفتاء مماثل أجراه معهد العلاقاتالدولية في شيكاغو أن 3 من كل 5 أميركيين ينظرونإلى الصين على أنها خطر على المصالح الحيويةالأميركية.
فماذا تم تحقيقه خلال هذه القمة الذي يمكن أن يغيرهذا الواقع في العلاقة بين البلدين؟
يمكن القول إن إعادة العلاقة الشخصية بين بايدنوتشي، واستعادة الثقة، كانا من أبرز ما يمكناستشفافه مما صدر عن الرئيس الأميركي، علىالأقل عندما قال عن تشي: «إني أعرف الرجل،وأعرف كيف يعمل. لدينا خلافاتنا، ولكنه مستقيم». لكن بايدن عاد ووصف الرئيس تشي بالديكتاتورلاحقاً، لكن ذلك لم يخلق عاصفة في العلاقة كماحدث أول مرة عندما استخدمها، في إشارة إلى أنالصينيين يريدون المضي في تحسين العلاقات.
في ما عدا ذلك، الإنجازات محدودة، لكنها هامة،لأنها توقف الانزلاق في العلاقة نحو مزيد من التوتر. فالقمة وضعت العلاقة على طريق الاستقرار، علىالأقل حتى نهاية عهد الرئيس بايدن، وأعادت الحواروالاتصالات بين عسكريّي البلدين لتجنب الأخطاء،وأعادت العمل بلجنة العمل على المناخ، وهذا هامقبل قمة المناخ في دبي لاحقاً هذه السنة. واتفقاعلى مكافحة مخدر الفينتالين الذي تعاني أميركا منخطره على المجتمع. كما اتفقا على معالجة خطرأنظمة الذكاء الاصطناعي وتحسين أمنها من خلالمحادثات صينية أميركية حكومية.
أما القضايا الاستراتيجية فلا يبدو أن تقدماً كبيراًحصل في شأنها. حول تايوان نقلت الصحفالأميركية عن مسؤولين أميركيين أن الرئيس بايدنطرح موضوع الحشد العسكري حول تايوان، وأنهطلب من تشي عدم التدخل في الانتخابات فيتايوان السنة المقبلة، وأن أميركا ملتزمة بمساعدةتايوان على الدفاع عن نفسها، وأن الرئيس تشيقال إنه ليس لديه أي خطط لغزو تايوان، حسب مجلة«تايم» الأميركية. أما الجانب الصيني، حسبإعلامه، فإن الرئيس تشي حثّ واشنطن على «دعمسياسة الصين للتوحيد السلمي» مع تايوان.
وفي بيان البيت الأبيض، الذي أكد على سياسة«الصين الواحدة»، تشديد على أن «الولايات المتحدةتعارض التغيير الأحادي للوضع الراهن من أي منالجانبين»، وأنه يجب حلّ أي خلافات بالطرقالسلمية، حول مضيق تايوان». ودعا الصين إلى«ضبط النفس في استخدام النشاطات العسكريةفي المنطقة نفسها».
وحول الشرق الأوسط، قال البيت الأبيض إن الرئيسكرر دعم حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، وأنيستخدم الطرفان نفوذهما لمنع توسع النزاع. وهنايعني البيت الأبيض أن تستخدم الصين نفوذها معإيران. والمؤشر الآخر على تباعد المواقف حول الشرقالأوسط خلال مؤتمر إبيك كان إصدار ماليزياوإندونيسيا وبروناي بياناً مشتركاً على هامش القمةيدعو إلى وقف إطلاق النار وهدنة في غزة.
وبالرغم من الخلافات على الأمور السياسية، كانواضحاً أن الاجتماع الأهم كان للرئيس الصيني معرؤساء الشركات الأميركية الكبرى، لأن الصين تريدعودة الاستثمارات الأميركية ورفع القيود والعقوباتعنها التي أثرت على اقتصادها سلباً… إن تصديرالتكنولوجيا الأميركية للصين هو الأكثر حساسيةلواشنطن. ولا يوجد رئيس أميركي حالي أو قادممستعد للتنازل في هذا الموضوع. وفي سنة انتخابيةمقبلة في واشنطن وتايوان، تبدو العلاقة معلقة علىحبال السياسة المحلية.