قراءة في قصيدة «مأساة النرجس وملهاة الفضة» لمحمود درويش/3

 

بقلم نجمة خليل حبيب

 

يقول درويش في إحدى المناسبات: “إن الزمن يعلمني الحكمة والتاريخ يعلمني السخرية” لذلك كانت هذه المسيرة الفلسطينية ملهاة ومأساة في آن معاً. هي حلقة من سلسلة المآسي التي عرفها هذا الشرق على مر تاريخه. كل مرة تأتي بوجه جديد، تأتي مأساة وترحل ملهاة. ويعدد الكاتب هذا التسلسل التاريخي: حصار قرطاج، سقوط صور، الحروب الصليبية، غزو هولاكو، الاستعمار الحديث، وصولاً الى الحالة الفلسطينية التي تعيد القصة من أولها.

في كل ما تقدم ينتصر المغزو على الغازي ويجابه الضعف القوة، ويكتسب الضعيف في استكانته حكمة ونضجاً إنسانياً: يواجه الحجر البدائي التكنولوجيا المتطورة، والطفل الأعزل الجنود المدججين. ويهزأ المغزوون من تاريخ هذا العالم وأساطيره بالإصرار على التذكر، ويسخرون مما أضافه ترف الفكر إلى جوهر الأشياء من زوائد. هم لا يهمهم من النهر إلا صفته الأصلية سواء عندهم إن غاض أو فاض، تلعثم أو تقدم، ولا تهمهم تأويلات التاريخ والأسطورة لتبرير حضورهم أو عدمه. يهزأون من التأويل كأنما يقولون: أيوجد برهان على الحضور أكثر من الحضور. وهي مأساة لأن ما يهزأون منه يسبب مأساتهم.

“كانوا يعيدون الحكاية من نهايتها إلى زمن الفكاهة

قد تدخل المأساة في الملهاة يوماً

قد تدخل الملهاة في المأساة يوماً

في نرجس المأساة كانوا يسخرون

من فضة الملهاة كانوا يسألون ويسألون

ماذا سنحلم حين نعلم أن مريم امرأة”؟ (439).

فطن درويش للإشراقة الكامنة في المأساة التي منها يخرج الحلم، ولكنه بدل أن يبرز موضوعه ويمنحه درجة عالية من الوضوح، انحرف عنه ولمّح إليه تلميحاَ خفيفاً بقوله: “ماذا سنحلم حين نعلم أن مريم امرأة”؟. كما فطن إلى بعد آخر في موضوع العودة، هو العودة إلى الذات بعد رحلة الضياع. فالفلسطينيون الذين ضيعت المنافي بعضاً من هويتهم، يعودون الآن إلى هذه الهوية. فالمبعد الذي لا تزال تعيش فيه ملامح بلده، هو عائد، ومنتصر على نفيه وذاته التي ضعفت ذات بَيْن.

لخص درويش قصيدته في ثلاثة أفعال قدمت رؤيته المتميزة للعودة يمكن ترتيبها في ثلاثة أشكال: الشكل الأول أعطى الأولوية للمعرفة، ثم يليها الحلم، وبعدها الرجوع. الشكل الثاني، وفيه الأولوية للحلم، ثم المعرفة، ثم الرجوع. الشكل الثالث، وفيه يقوى الحلم، ويكون وحده الطريق إلى العودة. إلا أن درويش لم يجعل أفعاله متراتبة بل جعلها تتردد بشكل دائري بحيث لا يكون فيها أولوية لفاعلية على أخرى.

 

أعطت هذه النهاية بعداً جديداً للقصيدة وكشفت عن رؤية كلية للوجود نصَّب فيها الشاعرُ الخيالَ (الحلمَ)، قوة فاعلة، قادرة على الفعل والخلق. قوة تحوِّل الحلم إلى فعل. فكأن درويش يقول، يكفي أن نؤمن بالعودة حتى تتحق. فهي، وإن لم تتحّقق بعد، إلا أن الإصرار على الحلم سوف يحققها. وهنا يحق لنا أن نتساءل، هل تأثر درويش بالترانسدنتالية، وآمن بها، ورأى فيها خلاصاً من مأزق العالم المتصارع على الماديات؟. ربما. “فقد أعلن درويش أكثر من مرة وعلى صفحات مجلة الشعراء في لقاء مع شعراء فلسطينيين قالوا له: كيف خرجت من سطوة الموضوع، والموضوع هو فلسطين؟ قال: [تخيلوا أن فلسطين ليست تحت الاحتلال واكتبوا]” [9]. وهذا ما حدا بفئة من قاريء شعر درويش إلى الاعتقاد بأن الشاعر جنح بعد اتفاق أوسلو إلى التباس في شعره. بمعنى ان القصيدة الدرويشية صارت تحمل أكثر من تفسير . . .”. [10]

[1] محمود درويش، مأساة النرجس وملهاة الفضة”، ديوان محمود درويش، مج/2، ط/1، بيروت: دار العودة، 1993، ص 419- 447. (نشرت للمرة الاولى في مجلة الكرمل، عدد: 32، 1989، ص 88- 104)

[2] فائز العراقي، شعر الانتفاضة في البعدين الفكري والفني، اتحاد الكتاب العرب، دمشق: 1998، ص 38

[3] المصدر نفسه، ص 40

[4] محمود درويش، “بيت. ثوم. بصل. ماعز ومفاتيح”، الكرمل، عدد/33، 1989، ص 167

[5] 5. David Malouf, Imaginary Life, London: Chatto & Windus, 1978

للمزيد ينظر في: نجمة خليل حبيب، النموذج الانساني في أدب غسان كنفاني، بيروت: بيسان، 1991، ص 33-41

[6] أطلق غسان كنفاني عبارته المدينة على لسان أم شدّاد بطل مسرحية “الباب”، عندما قالت: “إنكم تخسرون دائماً لأنكم تبدأون، دائماً، من البداية (غسان كنفاني، الآثار الكاملة، الجزء الثالث، المسرحيات، ط/1، بيروت: دار الطليعة، 1977 [1966] ص 84)

[7] . يقول الجرجاني: إنك ترى الجملة إذا دخلت “إنّ” ترتبط بما قبلها، وتأتلف معه وتتحد به، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغاً واحداً، وكأن أحدهما قد سبك في الاخر. هذه هي الصورة، حتى إذا جئت الى “إنّ” فاسقطتها، رأيت الثاني منها قد نبا عن الاول وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به، ولا يكون منه بسبيل. (عبد القاهر الجرجاني، دلائل الاعجاز، القاهرة: مطبعة السعادة، 1920، ص 222)

[8] 8. فائز العراقي، مصدر سابق، ص 44

[9] شاكر النابلسي، مجنون التراب، ، دراسة في شعر وفكر محمود درويش، ط/1، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987، ص 218)

[10] خالد أبو خالد، “محمود درويش يكتب شعراً ملتبساً”، حاوره، عمار النعمة، الثورة، دمشق: مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، 21/11/2007

قد يعجبك ايضا