محمد أحمد فؤاد
لم أكن أريد أن أصبح شيئًا محدَّدًا… لكن إذا كان لا بد من الاختيار، فلم لا أختار الأفضل (من وجهة نظر مخي―المغسول جيدًا بالطبع)؟!
قمت… نبضي المتسارع منعني من رسم أي تعبير على وجهي… أخبرتها باسمي الثلاثي، ثم قلت: “محامي”.
وهممت بالجلوس، لكنها استوقفتني، وطلبت مني أن أعيد ما قلته، فقلت مرةً أخرى: “محامي”. فاندهشَت.
كنت أنا الوحيد في الفصل الذي تمنَّى أن يصبح محاميًا!
وحين جلست، امتلأت بالخيلاء! بعضهم مازحَها… بعضهم أضحكَها… لكنني أنا الوحيد الذي أدهشَها!
في أقل من ساعة، تحوَّلت من طفل إلى شاب… ومن مجرد شاب عادي، إلى شاب يدهش الجميلات! ما هذا الجنون؟!
كلوديا كاردينالي أم… مجرَّد فتاة عاديَّة… بائسة!
الثورة تشبه علاقة حب عظيمة. في البداية، تبدو كإلهة… قضية مقدَّسة. لكنَّ لكل علاقة حب عدوًّا رهيبًا… الزمن… يجعلنا نراها على حقيقتها.
هذا ما قاله الثائر المكسيكي (جيسوس رازا) عن الثورة في فيلم (المحترفون The Professionals) [1966]. ولا يعنيني في هذا السياق رأيه في الثورة، بل وصفه الدقيق للحب!
ولا أخفي استعجابي من أن أصادف هذا الوصف، في نفس الفيلم الذي صادفت فيه أخيرًا ما ذكَّرني بما شوَّهه الزمن وأفسده من ملامح (تقسيم المحافظة)… (كلوديا كاردينالي)… الحسناء المذهلة التي اجتاحت سينمات العالم ووجدان الرجال خلال الستينيات والسبعينيات!
اندهشتُ حقًّا حين رأيتها… إنها هي… ملامح (تقسيم المحافظة) التي نَسِيتها، تجسَّدَت بغتةً في وجه كلوديا!
صورة لـ (كلوديا كاردينالي) من فيلم المحترفون
لقد تدخَّلت يدُ الزمن مرَّتين… المرَّة الثانية مَحَتها تمامًا من ذاكرتي، حتى ذكَّرتني بها (كلوديا كاردينالي). أما المرَّة الأولى، فكانت أشدَّ وقعًا، وأدعى للاكتئاب!
مرَّ أسبوعان لم تظهر فيهما (تقسيم المحافظة)، وكنَّا خلال تلك الأيام نستدعيها في أحاديثنا دومًا طواعيةً وقسرًا، وذلك إلى أن أفرغ صديقٌ لي قنِّينة سم في بئر الأحاديث!
“على فكرة هي مش حلوة قوي زي ما انتوا فاكرين… لو قرَّبتوا من وشَّها هتشوفوها على حقيقتها”.
سكتنا كأن على رؤوسنا الطير، وما لبث أحدنا أن قال مازحًا: “ما يهمّش يا عم… هي كدا كدا جامدة”!
تحطَّمت ثوابتي!
أتُراني كنت ألاحق وهمًا؟!
أهي حقًّا مثلما قال صديقي؟!
ولماذا كلما امتدحت جمالها وامتدحوه، أحسست أنني قصدت شيئًا، وقصدوا غيرَه؟! لماذا أستشعر فيما يقولون لمحاتٍ من (قلة الأدب)؟!
كنت حقًّا بريئًا، ولم أكن أعلم سرَّ نظراتهم الشيطانية، وكلماتهم التي أعظمَتْ منها غيرَ ما أعظمتُه!
وعزمت على أن أضعها في المرة القادمة تحت المجهر؛ عسى أن أتحقق من صحَّة ما يدَّعون.
وقد كان…
بعد أسبوعَي الغياب، ظهرت أخيرًا (تقسيم المحافظة). وقد لاحظناها خلال الفسحة، وتابعناها إلى أن اختفت في أحد الفصول التي اعتاد المدرسون أن يجتمعوا فيها؛ وكان في الطابق الأول.
أخذ أصدقائي يتغامزون، ويتحدَّى بعضهم بعضًا أن يكلِّمها… وكان -وقتَها- ثمةَ شيءٌ مُلحٌّ بالفعل يستدعي أن نسأل عنه أحد المدرسين، لكنني لا أذكره.
وبينما كنَّا صاعدين على الدَّرَج، تقدَّمتُهم، واقتربت من الفصل الذي كانت (تقسيم المحافظة) فيه، فألفيتُها خارجةً منه. سألتُها عمَّا لا أذكره، وانتهزتُ الفرصة لأتأمَّل ملامحَها. أجابتني سريعًا بابتسامتها المعتادة، ثم انطلقَت إلى وجهتها.
واستدرت إلى أصدقائي، فوجدتهم مذهولين من شجاعتي، وازددت قدرًا عندهم، ومشيت بينهم صوب الفصل مشية الفاتحين… لكن…
لكنني أحسست أن هناك شيئًا غير صحيح!
اقترب (إيكاروس) من الشمس بجناحيه الشمعيين، فذابا، وسقط!
وأنا…
ذبت وسقطت!
(تقسيم المحافظة) تضع الميكب!
(تقسيم المحافظة) لم تضع من الميكب في ذلك اليوم غير (الأيشادو) الأزرق!
بشرة (تقسيم المحافظة) شاحبة… شديدة الشحوب… فيها آثار من حب الشباب، وبراعم حبوب!
عينا (تقسيم المحافظة) العسليتان فيهما حزن… حزنٌ قديمٌ معتَّق متجذِّر لا يندمل.
(تقسيم المحافظة) إنسانة… إنسانة وليست إلهة!
لم أبح بما رأيته؛ لسببين: أولهما أنها كانت، رغم كل ذلك، لا تزال جميلة… بل أيقونة للجمال والفتنة لا تتكرَّر. والسبب الثاني أنني ارتأيت أن أعظِّم لأصدقائي محاسنَها؛ لأزرع الندم في قلب من اتهمها بالقبح، ولأزداد عندهم مكانة، فأستمتع، ولو لأيام، بشعوري بأنني الأشجع بينهم، والوحيد الذي استطاع أن يكلِّم جميلة الجميلات دون أن ينخلع قلبه!
لكنها، كما ذكرت، لم تكن إلا أيامًا… أيامًا معدودات، ثم جاءني صديقي (زيزو) بالخبر القاتل.
أخو (تقسيم المحافظة) معنا في المدرسة!
أيُعقل هذا؟!
أيكون بيننا فردٌ من (العائلة المالكة) ولا أعلم بذلك؟!
تشوَّقت لرؤيته… بل وحملتني الأحلام إلى محطة أبعد… أن أصادقه، وأوطِّد علاقتي معه؛ لكي أكون قادرًا على الزواج بتقسيم المحافظة بعد ست سنوات (إن انتظرَتني)!
ورأيته…
أشار إليه صديقي في فسحة أحد الأيام التالية، ففغرت فمي اندهاشًا حتى كاد فكي السفلي ينخلع!
كان أخوها هو ذلك الفتى السمين قذر الثياب الذي يركض في الحوش دائمًا بـ (غشومية) وعشوائية مثل التكاتك، ويمازح أصدقاءه بفظاظة، ويبدو كنسخة مصغَّرة من (الشاويش عطية)!
أخذت أبحث في ملامحه عن ملامح تقسيم المحافظة، فلم أجد إلا لون البشرة الغامق والعينين العسليتين! وأخذت أبحث عن رقَّتها فيه، فكنت كمن يبحث عن حلاوة (المانجة الفَصّ) في (فَصّ توم)!
كيف تشكَّل هذا الكائن في رحمٍ تشكَّلت فيه (تقسيم المحافظة)؟!
وهل هذا هو ما تَؤول إليه مقادير عمل (تقسيم المحافظة) إذا أضيف إليها كروموسوم واي؟!
(الشاويش عطية)؟!
وكانت هذه هي النهاية… فلم تظهر (تقسيم المحافظة) مرةً أخرى، ولم يتبقَّ في المدرسة من جيناتها إلا أخوها الغليظ الفظ.
ولا أحسب أن أحدًا منَّا رآها مرةً أخرى إلى اليوم… لعلَّ (زيزو) رآها بعد ذلك بحكم الجيرة… لكن هذا أيضًا يظلُّ أمرًا غير مؤكَّد.
هل لِمَا سبق أي نصيب من الدقَّة؟!
بعد أن أتممت هذا المقال القصصي، حاولت أن أستخبر الذاكرة عن المزيد، فلم تُمِدَّني بشيء… بل زادني البحث عن التفاصيل تخبُّطًا وارتيابًا فيما كتبته! أكنَّا في المرحلة الابتدائية أم الإعدادية؟! وهل (تقسيم المحافظة) هي مَن سألتنا عن مهنتنا المستقبلية أم سِواها من حُور (التربية العملي)؟! إنْ هي إلا أشباح الذاكرة التي تُطِلُّ من بعيد، دونَ دليلٍ على أنها حقًّا وُجِدت سوى هذه الومضات الكهربائية التي هي والأوهام سواء في شرع الخلايا والمسارات العصبية التي تنتظِمُها!
ذكريات… أم أوهام؟ لا أدري… هي -على كل حال- تبهجني… فلأتمسَّك بها إذًا، ولأَعُدَّها، إذ يُعِدُّ الآخرون لدنياهم الثروات والحسان والبنين، ذخيرتي ورأسمالي… زاد المفلس، وعتاد من أصبح صفرَ اليدين!