الراشي في فخ المرتشي

 

 

طارق كهريزي

رجل كهل محدود الدخل القتينا بالصدفة في مخبز الزقاق. بدى الاعياء على ملامحه وقال من دون مقدمات ومن دون ان يعرفني وهو يشكو حاله، ماذا افعل ولا حيلة لي، الدائرة الفلانية (نحتفظ بالاسم والمكان لدينا) لا تروج طلبي الذي قدمته منذ أكثر من اربعة اشهر، أوراقي طلبي رغم قانونيتها، مازالت تراوح مكانها، هذا ان لم يكن قد تم رميها في سلة النفايات. وتابع وهو يشكو الضنك والمعاناة، تراني ماذا افعل؟ كل من يدفع الدنانير تروج معاملته في الحال، لكن من أين آتي بمبلغ مئة الف دينار أدفعه كرشوة لترويج طلبي؟ هذا الكلام ليس تلفيقا ولا هو رجما بالغيب أو اتهاما دون سند. بل هو الحق بعينه.

 

استلام الرشاوي باتت ظاهرة شائعة في مؤسسات الدولة العراقية، وهناك نظام غير معلن لاستلام الرشوة من المواطنين لصالح شبكة من الموظفين الذين لا يبالون بأكل السحت من المال وهم يسرقون جيوب المواطنين مستغلين مواقعهم الوظيفية. والويل لمن لا يدفع الرشوة، فلن يتم ترويج معاملته وعليه الانتظار مثل المسكين غودو، بل واكثر من ذلك فانه يلاقي الامرّين على يد شبكات من المرتشين موزعين على عدد غير قليل من الدوائر الخدمية والاجرائية في مختلف مدن ومحافظات العراق وصولا الى العاصمة بغداد.

 

ظاهرة تفشي استلام الرشاوي تعود الى عهد النظام السابق حين باتت الرواتب الشهرية التي تصرفها الدولة للمنتسبين في القطاعين المدني والأمني، لا تكفي لسد مصاريف ذهاب واياب الموظف الى محل عمله. لذلك تهيأت ارضية استيفاء الرشوة من المواطنين واخذت تتسع عاما بعد عام مع استمرار الحصار الاقتصادي الذي فرض على البلد بعد غزو الكويت. والحكومة آنذاك لم تكن غير مطلعة على الأمر، بل كانت تغظ الطرف عنه بسبب عجزها التام عن تأمين مستوى معيشي يليق بالمواطنين من خلال تسديد رواتب تضمن العيش الكريم لمنتسبي الدولة، وبالتالي تأمين انسيابية حركة السوق وتنشيط القطاع الخاص.

 

هذه الاوضاع الصعبة التي مرّ بها العاملون في القطاع العام، علاوة على الوضع الصعب للقطاع الخاص أيضا، أمتد حتى عام 2003 حيث سقط النظام السابق ودخل البلد عهدا جديدا. بعد هذا التاريخ رفع الحصار الاقتصادي عن العراق وأرست سلطات الاحتلال أسس جديدة وجداول معقولة لتسديد رواتب منتسبي الدولة، ودخل البلد حالة اقتصادية جديدة ملامحها النمو رافقها طفرة من حيث ارتفاع القدرة الشرائية للمواطنين.

 

مع كل السلبيات التي رافقت قدوم قوات الاحتلال، من غير المنطق عدم أخذ التغييرات الايجابية الكبيرة التي طرأت على واقع البلد وسكانه بعد عام 2003 بنظر الاعتبار. هذا المقال لا يسع الغوص في تفاصيل الاشكالات التي حدثت بسبب سياسة سلطات الاحتلال ومن ثم تشخيص وتتبع المسؤول عنها، وما تبعها من ظهور التنظيمات الارهابية المتشددة التي ادخلت البلد في أتون حرب داخلية مدمرة، ولا يسع المقام ايضا للتحدث عن ايجابيات الاوضاع بعد 2003 وصولا الى الآن.

 

بل نود تلمس حيثيات الامور التي دفعت الاوضاع الى استمرار حالة مرضية مقيتة تخل بسمعة البلد بسبب استمرار ظاهرة الرشوة ومعاودتها الحياة بعد عام 2003 رغم التفاوت الهائل في الاوضاع المعيشية لمنتسبي القطاع العام. الرشوة مؤشر سلبي رهيب يدفع بالحكومة وفق المعايير الدولية نحو خانة الفساد الاداري الذي يستوجب المعالجة والمداواة.

 

ان الرواتب التي تدفعها الحكومة العراقية حاليا ومنذ عام 2003 للمنتسبين في القطاع المدني والأمني مجزية وتضمن العيش الكريم لهم. لا مبرر مطلقا (نحن اذ نتحدث عن المبرر ليس من باب النظر بعين الشرعية للأمر، بل من باب الاضطرار والأمر الواقع) لاستمرار الفساد من خلال تفشي الرشوة بين منتسبي القطاع العام. نقولها عن قناعة أساسها معلومات وبيانات غير خافية على من يريد الاطلاع، ان الرواتب التي تسددها الحكومة العراقية شهريا للمنتسبين تضمن حياة كريمة لهم.

 

من هنا نجد ان الحكومة العراقية ستكون في مواجهة تحد كبير يفرض عليها أن تعمل بجد من أجل محاربة الفساد الاداري الذي تطنب على كاهل المواطنين. ولدى الحكومة الكثيرون من الخبراء والمستشارين الذين يستطيعون وضع خطط ادارية تحارب الحكومة بموجبها ظاهرة الرشوة في دوائر الدولة، ولا حاجة لأن نقدم النصح والارشاد من جهتنا. نحن بانتظار ان تتصدى حكومة دولة رئيس الوزراء الجديد محمد شياع السوداني لهذه الظاهرة، ونقول الظاهرة لأنها تمارس بشكل واسع، كل ذلك خدمة لسمعة البلد وللتخفيف من كاهل المواطنين الذين يعانون من الظاهرة دون وجهة حق.

قد يعجبك ايضا