جدلية المكان في فضاء اللصوص 

 

د . صباح ايليا القس

 

المكان هو المساحة التي يشغلها الانسان ويتآلف معها للعيش والانتفاع بما موجود من معطيات لادامة الحياة بحيث يتكيف الانسان مع تلك المعطيات لتيسير الامور من حماية وستر وطعام وشراب له ولمن تقوم عليه معيشته من حيوانات , فأذا لم يجد ما يسمح للعيش ينتقل الى مكان آخر اذا توفرت فيه المتطلبات اللازمة لادامة الحياة وبهذا الامر يكون المكان السابق رمزا وتذكارا وطللا يحن اليه الشاعر لا سيما اذا ترك هناك ذكريات لها قيمتها العاطفية التي تترسخ في الضمير ولا يمكن تجاوزها وفي الجانب الآخر يجد في ذلك المكان ما يحز في نفسه ويقلق راحته اذا كان في ذلك المكان ما يحدد الحرية التي اعتاد عليها العربي في انفتاحه على الصحراء مثل السجن الذي يحدد الحرية ويقلل من القيمة الاعتبارية التي يحرص العربي على التفاخر بها إلا اذا كان السجن دفاعا عن المبادئ السامية والقيم النبيلة التي يتفاخر بها الاحرار من العرب .

لا بد من الاشارة الى ان هناك دراسات عن شعر السجون في العصور الادبية المعروفة التي لم تقتصر على اللصوص والصعاليك بل ان هناك سجناء الموقف لا سيما في العصر العباسي وهم الذين يشكلون المعارضة في مفهومنا المعاصر قد تكون السياسية او الاجتماعية او الدينية .

والسجن ليس مقصورا على العرب اذ عرفته الامم الاخرى أيضا ودوّن الشعراء والكتاب اراءهم ومعاناتهم كما فعل الشعراء العرب .

من نافلة القول ان السجن معاناة ليس على سبيل تقييد الحرية فقط بل ان السجين يعاني من الوحدة والظلمة والوحشة والفراغ والغربة والحنين وطول الوقت وثقل الحديد والابواب المغلقة وتعسف السجانين والذل والظلم فضلا عن ما يعانيه الفرد من نوازع شخصية قد تكون عائلية او قبلية او عاطفية او اعمال تجارية او رعاية مصالح اخرى من دون ان ننسى هواجس الموت والمرض وكوابيس الخوف من المستقبل .

يقول جعفر بن عليه الحارثي يصف ما تقدم من حديث عن السجون بقوله :

اذا باب دوران ترنّـــم فـــي الدجـــى        وشــدّ بأغلاق علينــــا وإقفــــــالِ

وظلم ليـــل قــــام علــج بجلجــــــــلٍ        يدور بــــه حتــى الصباح باعمـال

وحراس ســـوء ما ينامـــون حولـــه         فكيف لمظلوم بحيلــــــة محتـــــالِ

ويصبر فيــه ذو الشجاعـــة والنـــدى       علـى الذلّ للمأمـــور والعلج والوالي

( دوران ) هو سجن معروف يذكر في البيت الاول صرير فتح واغلاق باب السجن ايذانا باقبال زائر جديد او ترحيل آخر . والمشرفون على السجون هم غلاظ القلب يتم اختيارهم لمثل هذه المهمات فاذا لم يكن لديهم واجب كان ازعاج الآخرين واجبهم المفضل فهم لا ينامون ولا يسمحون للآخرين بالنوم امعانا في التعذيب وليس للسجين من حيلة سوى الدعوات في حين ليس من وسيلة لمعالجة الامر سوى الصبر على ذل القائمين على السجن من الولاة وجلاديهم .

يقول الشاعر السمهري في الشوق والتذكر :

الا أيها البيت الــــذي انا هاجــــره     فلا البيت منـــــسيّ ولا انا زائـــره

الا طرقـــت ليلى وساقي رهينــــة     باشهب مشدود علــــــيّ مسامـــــره

ليس سوى التذكر من وسيلة للتواصل مع الاهل والاحبة فالشاعر يذكر البيت والبيت ليس هنا المكان الجامد بل يقصد الاهل والاحبة ومن يجاورهم فكيف ينسى الانسان اهله وبيته ووطنه فاذا أضيف الى ما تقدم ذكر الحبيبة كانت المصيبة اشد واعظم لكن كيف تذكر ليلى ؟ لقد تذكرها وهو سجين مقيد بالسلاسل لا يستطيع حراكا وبالتأكيد هو لا يريد ليلى ان تراه على هذه الشاكلة التي تظهره ضعيفا بائسا مرذولا بل كان هو حر يباهي بما يليق من جاه ومنزلة .

لكن مفاجأة السمهري كانت كالضربة القاضية اذ فاجأته ليلى بزيارة على غير المعتاد ورأته على ما هو عليه وكان ذلك مما ارعبه فكان سلامها سيفا يخترق هذه النفس الجبارة الشامخة . هذه الزيارة وان كانت في ظاهرها السلام والتحية إلا ان السجين لا يفسرها كما يريد الآخرون بل شعر حينها بالذل والهوان الذي هو اشد من وقع السيف بينما يعلل طهمان الكلابي مثل هذه الزيارة بأمل الاطلاق وملاقاة الاحبة حيث يقول:

لعلك بـــعد القيـــد والسجن أن تُرى     تمــــــرُّ على ليلى وأنت طليــــق .

 

قد يعجبك ايضا