التسويف الدراسي.. من إدارة الوقت إلى إدارة الانفعالات

متابعة التآهي

يتناول المقال التسويف الدراسي بوصفه ظاهرةتتجاوز ضعف إدارة الوقت إلى صعوبات تنظيمالانفعالات، موضحًا دور القلق والخوف من الفشلوالكمالية والملل في تأجيل المهام التعليمية. ويعرضآثاره في التحصيل والصحة النفسية، وتأثير البيئةالرقمية في تعزيزه، ويقدم وسائل عملية لمواجهته عبرتجزئة المهام وتنظيم المشاعر وبناء العادات…

يمثل التسويف الدراسي إحدى المشكلات السلوكيةوالنفسية التي تؤثر في التحصيل العلمي للطلاب، إذيتكرر تأجيل الواجبات والاستعداد للامتحاناتوإنجاز المشروعات رغم إدراك أهمية هذه المهاموالعواقب المترتبة على تأخيرها. وتشير البحوثالنفسية إلى أن التسويف يتجاوز ضعف تنظيمالوقت، ويرتبط في كثير من الحالات بصعوبة التعاملمع المشاعر السلبية المصاحبة للدراسة، مثل القلقوالخوف من الفشل والملل والإحباط، مما يجعل فهمالانفعالات وتنظيمها جزءًا أساسيًا من معالجةالمشكلة.

التسويف الدراسي.. مشكلة تتجاوز ضيق الوقت

تبدأ مشكلة التسويف الدراسي غالبًا من موقف يبدوبسيطًا ومألوفًا، حين يقرر الطالب تأجيل واجب إلىاليوم التالي، أو يؤخر الاستعداد للامتحان حتىيقترب موعده، أو ينشغل بأنشطة جانبية بدل البدءبمشروع دراسي يعرف أنه يحتاج إلى وقت وجهد. وقد يمتلك الطالب جدولًا واضحًا ومعلومات كافية عنالمطلوب منه، لكنه يجد صعوبة في تحويل معرفته إلىفعل، فيستمر التأجيل حتى تتحول المهمة الصغيرةإلى عبء كبير، ويصبح الوقت المتبقي أقل من الوقتاللازم لإنجازها بصورة جيدة.

وتتجاوز أهمية هذه الظاهرة حدود التأخير فيتسليم الواجبات، لأنها ترتبط بطريقة تعامل الإنسانمع مسؤولياته، وقدرته على اتخاذ القرارات التيتحقق مصلحته المستقبلية، ومدى استعداده لتحملالمشاعر غير المريحة التي ترافق الأعمال الصعبة. فالطالب الذي يؤجل المذاكرة لا يختار بالضرورةالراحة لأنه يجهل قيمة النجاح، وإنما قد يكونمدفوعًا بالرغبة في الابتعاد عن تجربة نفسية لا يريدمواجهتها في اللحظة الراهنة، مثل الخوف مناكتشاف ضعف مستواه، أو القلق من عدم قدرتهعلى فهم المادة، أو الشعور بالملل أمام مهمة طويلة.

وقد اعتادت النصائح التربوية التقليدية معالجةالتسويف من خلال إعداد الجداول اليومية، وترتيبالأولويات، وتحديد أوقات ثابتة للدراسة، وهيإجراءات مفيدة وضرورية، لكنها لا تفسر وحدهااستمرار التأجيل لدى طلاب يعرفون هذه الأساليبويستطيعون تطبيقها من الناحية النظرية. ومن هناتطورت البحوث النفسية نحو تفسير أعمق ينظر إلىالتسويف بوصفه مشكلة في التنظيم الذاتي، قديكون تنظيم الانفعالات أحد أهم مكوناتها، إلى جانبالدافعية والعادات والبيئة المحيطة والقدرة على ضبطالانتباه.

التسويف الدراسي.. المفهوم والانتشار

يُعرّف التسويف في الأدبيات النفسية بأنه التأجيلالطوعي لمهمة مقصودة، رغم توقع أن يؤدي هذاالتأجيل إلى نتائج أسوأ. ويتضمن هذا التعريفعنصرين أساسيين؛ أولهما أن الشخص يستطيع،بدرجة معقولة، البدء بالمهمة أو التقدم فيها، وثانيهماأنه يدرك أن التأجيل قد يسبب له ضررًا أو ضغطًاإضافيًا، لكنه يختاره مع ذلك. ولذلك يختلف التسويفعن التأجيل الضروري الذي تفرضه ظروف خارجةعن السيطرة، كما يختلف عن إعادة ترتيب الأولوياتحين تكون هناك مهمة أخرى أكثر أهمية أو إلحاحًا.

وقد يقرر الطالب تأخير مراجعة مادة معينة لأنهيحتاج إلى إنجاز واجب أقرب موعدًا، ويكون هذاالقرار جزءًا من إدارة الوقت بصورة عقلانية. أما حينيؤجل المراجعة ليتجنب صعوبتها، وينشغل بنشاطأقل أهمية رغم معرفته بأن التأخير سيضاعفالضغط عليه لاحقًا، فإن السلوك يقترب من التسويفبالمعنى النفسي. وتساعد هذه التفرقة على تجنبالخلط بين التأجيل بوصفه أداة تنظيمية والتسويفبوصفه نمطًا متكررًا من تجنب المهام.

وتشير الدراسات إلى انتشار التسويف بين طلابالجامعات بدرجات متفاوتة، مع اختلاف النسببحسب تعريف الظاهرة وطريقة قياسها وطبيعةالعينة. وقد تناولت دراسة حديثة نُسبت إلى الباحثإيتمار شاتز، وأشير إليها في الموجز السابق، أثرالتسويف في حياة الطلاب مقارنة بمشكلات صحيةوسلوكية أخرى. وتبرز أهمية هذا النوع من الدراساتفي توسيع النظر إلى التسويف من مجرد عادةدراسية مزعجة إلى مشكلة قد تؤثر في الأداء والرفاهالنفسي، مع ضرورة التمييز بين تقييم الطلابالذاتي لأثر التسويف وبين إثبات العلاقة السببيةبصورة علمية.

وتتخذ الظاهرة أشكالًا متعددة، منها تأجيل المذاكرةحتى ليلة الامتحان، وتأخير كتابة البحوثوالمشروعات، وتجنب مراجعة الأخطاء السابقة،والإفراط في جمع المصادر دون البدء بالكتابة،والانشغال بإعداد الجداول وتنظيم الملفات بدل إنجازالمهمة الأساسية. وقد يبدو بعض هذه السلوكياتمنتجًا في ظاهره، لكنه يتحول إلى شكل من أشكالالتسويف عندما يصبح بديلًا متكررًا عن العمل الذيينبغي إنجازه.

لماذا لا تكفي إدارة الوقت لتفسير التسويف؟

تقوم كثير من برامج تطوير المهارات الدراسية علىافتراض أن الطالب الذي يتأخر في إنجاز مهامهيحتاج إلى تعلم كيفية تنظيم يومه وتحديد أولوياته. ويستند هذا الافتراض إلى حقيقة أن الدراسة تحتاجإلى تخطيط وتوزيع للجهد، وأن غياب التنظيم قديؤدي إلى تراكم المسؤوليات. غير أن الخبرة اليوميةوالبحوث النفسية تكشفان أن امتلاك خطة واضحة لايضمن دائمًا القدرة على تنفيذها، لأن الانتقال منالقرار إلى الفعل يتأثر بعوامل نفسية تتجاوز معرفةالوقت المتاح.

فقد يحدد الطالب ساعتين لمراجعة مادة دراسية،ويهيئ مكانه وكتبه، ثم يشعر بمجرد فتح المادةبصعوبة المهمة أو الخوف من عدم فهمها، فيقررتأجيل البداية قليلًا. وقد ينتقل إلى الهاتف أومشاهدة مقطع قصير أو ترتيب الغرفة، ثم يكتشفأن الوقت المخصص للدراسة انتهى دون إنجازيُذكر. وفي هذه الحالة لم تكن المشكلة الأساسيةغياب الجدول، وإنما عدم القدرة على الاستمرار فيمواجهة المشاعر التي أثارتها المهمة.

ويزداد هذا السلوك عندما تكون المكافأة المرتبطةبالمهمة بعيدة زمنيًا، بينما تكون المكافأة الناتجة عنتجنبها فورية. فالنجاح في الامتحان يحتاج إلى أيامأو أسابيع من الدراسة، أما الراحة الناتجة عن إغلاقالكتاب والانتقال إلى نشاط ممتع فتتحقق خلاللحظات. وتفسر بعض النظريات النفسية هذاالتفاوت من خلال ميل الإنسان إلى إعطاء وزن أكبرللمكافآت القريبة مقارنة بالمنافع المستقبلية،خصوصًا عندما يكون متعبًا أو متوترًا أو قليلالدافعية.

لكن تفسير التسويف من خلال الانفعالات لا يعنيإلغاء أهمية إدارة الوقت، وإنما يضعها في سياقأوسع. فالطالب يحتاج إلى معرفة ما ينبغي إنجازهومتى يبدأ وكيف يوزع جهده، لكنه يحتاج كذلك إلىمهارات تساعده على تحمل الانزعاج المؤقتوالاستمرار في المهمة رغم عدم شعوره بالحماس أوالراحة. وهكذا يصبح التنظيم الفعال مزيجًا منالتخطيط السلوكي والتنظيم الانفعالي، بدلالاقتصار على إعداد جدول قد يتحول هو نفسه إلىنشاط آخر من أنشطة التأجيل.

التسويف بوصفه محاولة لتنظيم الانفعالات

قدم الباحثان فوشيا سيرويس وتيموثي بيتشيلتفسيرًا مهمًا للتسويف في دراسة نشرت عام 2013 بعنوان «التسويف وأولوية تنظيم المزاج على المدىالقصير»، إذ ربطا بين تأجيل المهام والرغبة فيتحسين الحالة المزاجية بصورة فورية، حتى عندمايؤدي ذلك إلى تحميل الذات المستقبلية أعباء أكبر. ووفق هذا التفسير، لا يكون الطالب منشغلًا دائمًابالاختيار بين الدراسة والترفيه، وإنما بين مواجهةانفعال غير مريح الآن والحصول على راحة نفسيةسريعة من خلال الابتعاد عن المهمة.

وتساعد هذه المقاربة على فهم جانب من التناقضالذي يظهر في سلوك الطلاب؛ فالطالب قد يعرف أنتأجيل إعداد البحث سيجعله أكثر توترًا في الأسبوعالمقبل، لكنه يتعامل مع القلق الحالي بوصفه المشكلةالأكثر إلحاحًا، فيختار التخلص منه ولو مؤقتًا. وتصبح النتيجة أن الطالب يحسن مزاجه فيالحاضر على حساب زيادة الضغوط التيسيواجهها في المستقبل، وهو ما يفسر استمرارالتأجيل رغم تكرار التجارب السلبية المرتبطة به.

وتتخذ الانفعالات التي تدفع إلى التسويف صورًامتعددة، وتختلف من طالب إلى آخر بحسبشخصيته وخبراته وطبيعة المهمة والبيئة التعليميةالمحيطة به.

الخوف من الفشل: قد يرتبط التأجيل بالخوف مناكتشاف محدودية القدرة أو الحصول على نتيجةأقل من التوقعات. فالطالب الذي يخشى الرسوب أوالنقد قد يجد في تأخير الدراسة وسيلة لتجنبمواجهة احتمالات الإخفاق. وفي بعض الحالاتيسمح التأجيل المتكرر بتقديم تفسير بديل للنتيجةالضعيفة، إذ يستطيع الطالب أن يعزو إخفاقه إلىضيق الوقت بدل مواجهة احتمال وجود صعوباتحقيقية في فهم المادة أو اكتساب المهارة. وهكذايتحول التسويف إلى وسيلة دفاعية مؤقتة لحمايةصورة الذات، لكنه يحرم الطالب من فرصة التعلمالمبكر وتصحيح الأخطاء.

الكمالية المفرطة: يرتبط بعض أنماط التسويفبالرغبة في الوصول إلى أداء مثالي يصعب تحقيقه. فقد يؤجل الطالب كتابة البحث لأنه لم يجمع جميعالمصادر، أو يمتنع عن البدء بالمشروع لأنه لم يتوصلإلى خطة كاملة، أو يعيد صياغة الفقرة الأولى مراتعديدة بدل الانتقال إلى بقية العمل. وتصبح المعاييرالمرتفعة مشكلة عندما تمنع التقدم التدريجي،فيتحول الحرص على الجودة إلى عائق أمام الإنجاز. وتختلف هذه الحالة عن الاجتهاد المنظم، لأن الطالبالمجتهد يستطيع تطوير عمل غير مكتمل، بينما قديربط الطالب المتأثر بالكمالية بداية العمل بضرورةضمان نتيجته النهائية مسبقًا.

القلق والتوتر: عندما ترتبط المهمة الدراسية بخبرةسابقة غير مريحة، مثل التعرض للإحراج أو النقدالقاسي أو الفشل المتكرر، قد تصبح مجرد العودةإليها مصدرًا للتوتر. ويؤدي تجنب المهمة إلىانخفاض القلق بصورة مؤقتة، مما يعزز الميل إلىتكرار التجنب في المواقف المشابهة. ومع مرور الوقتقد تتسع المشكلة لتشمل مواد أو أنشطة متعددة،خصوصًا إذا لم يحصل الطالب على مساعدةمناسبة لفهم أسباب صعوباته الدراسية.

الملل والنفور من المهمة: قد يتأخر الطالب عن أداءواجبات لا تثير اهتمامه أو تبدو له طويلة ومتكررة،خصوصًا عندما تتوافر أنشطة بديلة تمنحه متعةسريعة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الطالب يفتقرإلى المسؤولية، لأن القدرة على تحمل الملل تتفاوت بينالأفراد وتتأثر بالنوم والإرهاق والدافعية وطريقة تقديمالمحتوى. وتزداد احتمالات التأجيل عندما تكونالمهمة غامضة أو لا يرى الطالب صلتها بأهدافه،بينما قد يساعد توضيح معناها وتقسيمها إلىمراحل محددة على تقليل النفور منها.

الارتياح الفوري: يمثل الشعور بالراحة بعد تأجيلالمهمة عنصرًا أساسيًا في استمرار السلوك. فحينيغلق الطالب الكتاب أو يبتعد عن مشروع يثير قلقه،قد يشعر بانخفاض التوتر، فيتعلم تدريجيًا أنالتأجيل وسيلة سريعة للتخلص من المشاعر غيرالمريحة. لكن هذا التعلم لا يحل المشكلة الأصلية،وإنما يجعل العودة إلى المهمة أكثر صعوبة كلمااقترب موعد إنجازها.

وتوضح هذه العوامل أن التسويف قد يؤدي وظيفةنفسية مؤقتة، حتى عندما تكون نتائجه الدراسيةسلبية. ومع ذلك، لا يصح تفسير جميع حالاتالتسويف بالخوف أو القلق وحدهما؛ فقد تسهماضطرابات النوم، وصعوبات الانتباه، والإرهاق،والظروف الأسرية، وضعف وضوح التعليمات،والمشكلات الصحية في تأخير الأداء أيضًا. ولذلكيحتاج فهم الظاهرة إلى النظر في الطالب والبيئةالتعليمية معًا، بدل تحويل التفسير الانفعالي إلىسبب وحيد لجميع الحالات.

الحلقة النفسية للتسويف.. من الراحة المؤقتة إلىالقلق المتراكم

تبدأ دورة التسويف عندما يواجه الطالب مهمة تتطلبجهدًا ذهنيًا أو تثير شعورًا غير مريح، فيؤجلهاللحصول على قدر من الراحة. وقد يكون هذا التأجيلقصيرًا في البداية، لكنه يكتسب قوة مع تكراره لأنالطالب يتذكر الارتياح الذي شعر به بعد الابتعاد عنالمهمة، بينما تبقى النتائج السلبية بعيدة نسبيًا. وعندما يقترب موعد التسليم أو الامتحان، يعود القلقبصورة أشد بسبب ضيق الوقت وتراكم العمل،فيصبح البدء بالمهمة أكثر صعوبة من السابق.

وتؤدي هذه الدورة إلى تداخل المشاعر والسلوكبصورة متبادلة؛ فالتوتر يدفع إلى التأجيل، والتأجيليزيد التوتر، ثم يصبح التوتر المتزايد سببًا جديدًاللهروب من المهمة. وقد يرافق ذلك شعور بالذنب أولوم الذات، خصوصًا عندما يكرر الطالب وعودهبالبدء المبكر ثم يخفق في الالتزام بها. ومع مرورالوقت قد تتراجع ثقته بقدرته على تنفيذ قراراته،ويبدأ في النظر إلى نفسه بوصفه شخصًا غيرمنضبط، بدل فهم المشكلة باعتبارها نمطًا سلوكيًايمكن تغييره.

ويزداد أثر هذه الحلقة عندما تصبح المواعيد النهائيةالوسيلة الوحيدة التي تدفع الطالب إلى العمل. فقديعتاد بعض الطلاب الدراسة تحت ضغط شديد،وينجحون أحيانًا في إنجاز المطلوب خلال وقتقصير، مما يعزز اعتقادهم بأن التأجيل يساعدهمعلى التركيز. لكن القدرة على إنجاز مهمة فياللحظات الأخيرة لا تثبت أن التسويف هو الأسلوبالأفضل، لأن النتيجة قد تتحقق على حساب النوموالصحة النفسية وجودة التعلم والقدرة على مراجعةالأخطاء.

قد يعجبك ايضا
∧