شيركو حبيب
ليس البرلمان مجرد مبنى يجتمع فيه النواب، أو مؤسسة تحمل اسماً دستورياً، بل هو أحد أهم أركان الحياة الديمقراطية؛ فمن خلاله يجد المواطنون صوتهم، وتتحول إرادتهم الانتخابية إلى قرارات وتشريعات، كما يمارس ممثلوهم دورهم في الرقابة والمساءلة. ومن هنا، فإن تعطيل البرلمان لا يعني تعطيل مؤسسة سياسية فحسب، بل يعني أيضاً تعطيل جانب أساسي من حقوق المواطنين واستحقاقاتهم الديمقراطية.
بعد مرور أكثر من عامين على انتخابات الدورة السادسة لبرلمان كوردستان، لا تزال هذه المؤسسة تواجه صعوبات حالت دون ممارسة مهامها التشريعية والرقابية بصورة طبيعية. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: لماذا يبقى البرلمان، الذي انتخبه الشعب ومنح أعضاءه ثقته، بعيداً عن أداء دوره الكامل؟ وإلى متى ستظل الخلافات السياسية عائقاً أمام مؤسسة يُفترض أن تكون المكان الطبيعي لمعالجة هذه الخلافات؟
في هذا السياق، تأتي مبادرة الحزب الديمقراطي الكوردستاني للدعوة إلى عقد جلسة برلمانية يوم الأربعاء، الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في الساعة الحادية عشرة صباحاً، واستكمال الإجراءات المتعلقة بالجلسة الأولى للدورة السادسة. وهي خطوة تضع مسألة تفعيل البرلمان مجدداً أمام مسؤولية جميع الكتل والنواب، وتفتح الباب أمام تجاوز حالة الجمود التي طالت هذه المؤسسة.
إن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في الدعوة إلى عقد جلسة، بل في إعادة التأكيد على ضرورة أن تستعيد المؤسسات الدستورية دورها الطبيعي. فالبرلمان هو المكان الذي ينبغي أن تُناقش فيه الخلافات، وتُطرح فيه وجهات النظر المختلفة، ويُحتكم فيه إلى القانون والإجراءات الديمقراطية. وليس من المنطقي أن تتحول الخلافات السياسية إلى سبب لتعطيل المؤسسة التي يُفترض أن تكون إطاراً لحلها.
لقد أكد الحزب الديمقراطي الكوردستاني أهمية ممارسة البرلمان مهامه في إطار الدستور والقوانين النافذة، وعدم السماح للخلافات السياسية بالاستمرار على حساب عمل المؤسسات. وهذا يضع أمام بقية القوى السياسية مسؤولية واضحة تتمثل في المشاركة في العملية البرلمانية، والاحتكام إلى الحوار، والعمل على إيجاد أرضية مشتركة تضمن استمرار الحياة الدستورية في الإقليم.
ومن المهم أيضاً أن تحظى مطالب ممثلي مكونات كوردستان، ولا سيما النواب التركمان والمسيحيين، بالاهتمام اللازم، وأن تكون مشاركتهم جزءاً أصيلاً من العمل البرلماني. فكوردستان تتميز بتنوعها القومي والديني والثقافي، ومن الطبيعي أن يجد هذا التنوع مكانه في مؤسساتها الدستورية. فالبرلمان الذي يمثل جميع المواطنين يجب أن يعكس هذا التنوع ويحترم حقوق جميع مكوناته.
وبطبيعة الحال، فإن انعقاد الجلسة يتطلب استيفاء الشروط القانونية وتوافر النصاب المطلوب، كما أن نجاح هذه الخطوة يرتبط بمواقف الكتل البرلمانية ومدى استعدادها للمشاركة. لكن ينبغي ألا تتحول الإجراءات والخلافات إلى ذريعة جديدة لإطالة أمد التعطيل. فالمطلوب اليوم هو إرادة سياسية مسؤولة تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية الضيقة.
ولعل ما يجب التوقف عنده هو أن المواطنين الذين شاركوا في الانتخابات وأدلوا بأصواتهم لم يفعلوا ذلك من أجل أن تبقى أصواتهم معلّقة بين الخلافات السياسية والمواقف المتباينة، بل انتخبوا ممثليهم لكي يدافعوا عن مصالحهم، وينقلوا مطالبهم، ويمارسوا دورهم في التشريع والرقابة. فالمسؤولية السياسية لا تبدأ يوم الانتخابات وتنتهي بإعلان النتائج، بل تبدأ فعلياً بعد وصول النواب إلى مقاعد البرلمان.
ومن هنا، فإن البرلمان ليس ملكاً لحزب أو كتلة أو جهة سياسية، ولا يجوز التعامل معه باعتباره ورقة في التفاوض أو وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية. إنه مؤسسة تخص جميع مواطني كوردستان، والعضوية فيه تكليف ومسؤولية قبل أن تكون موقعاً سياسياً أو امتيازاً نيابياً.
إن جلسة الأربعاء تمثل فرصة لاستئناف العمل البرلماني وكسر حالة الجمود، لكن الأهم من انعقاد جلسة واحدة هو ضمان استمرار عمل البرلمان، وممارسة دوره التشريعي والرقابي، ومناقشة القضايا التي تمس حياة المواطنين ومستقبل الإقليم. فالمواطن لا ينتظر من ممثليه مجرد الحضور إلى الجلسات، بل ينتظر قرارات ومواقف وتشريعات تعالج مشكلاته وتستجيب لتطلعاته.
في النهاية، أعتقد أن القضية أصبحت أكبر من خلاف بين هذا الحزب أو ذاك، وأكبر من حسابات الكتل ومواقفها السياسية. إنها قضية احترام إرادة الناخبين، والحفاظ على المؤسسات الديمقراطية، وصون الثقة التي منحها المواطنون لممثليهم.
البرلمان للشعب، وليس الشعب للبرلمان. ومن لا يستطيع أن يجعل صوت المواطن حاضراً تحت قبة البرلمان، عليه أن يدرك أن المسؤولية أمام الناخبين لا تسقط بتعطيل الجلسات، ولا تنتهي بانتهاء الانتخابات.