الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
ليست الحروب وحدها هي التي تدمّر الأوطان، وليست خسائرها محصورة في المباني والممتلكات والبنى التحتية، فهناك جراح أعمق تسكن النفوس والذاكرة، وتبقى آثارها سنوات طويلة بعد توقف أصوات المدافع وانتهاء المعارك. ومن هنا تبرز أهمية المواقف الإنسانية التي تضع كرامة الإنسان وحقوقه ومعاناته في مقدمة المسؤوليات الوطنية والأخلاقية.
وفي هذا السياق، جاءت كلمة رئيس إقليم كوردستان، السيد نيجيرفان بارزاني، بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة لتأسيس معهد العلاج النفسي والصدمات النفسية في جامعة دهوك، يوم الأحد الموافق 1 تشرين الثاني 2026، لتسلط الضوء على مسؤولية المجتمع والحكومة والمؤسسات الإنسانية تجاه ضحايا الحروب والإرهاب والكوارث، مؤكداً أن من واجبنا ألا نترك المتضررين وحدهم، بل أن نمد إليهم يد العون حتى يستعيدوا حياتهم وثقتهم بأنفسهم وأملهم بمستقبل أفضل.
إن هذه الرسالة تتجاوز حدود الكلمات والمناسبات الرسمية، لأنها تضع أمامنا حقيقة إنسانية مهمة، مفادها أن انتهاء الحرب لا يعني انتهاء معاناة الضحايا، وأن عودة النازحين إلى منازلهم لا تعني بالضرورة عودة الاستقرار إلى نفوسهم. فالإنسان الذي فقد أسرته أو تعرض للتعذيب أو عاش مشاهد القتل والتهجير يحتاج إلى رعاية متواصلة، وإلى مؤسسات متخصصة تساعده على تجاوز الصدمات النفسية واستعادة شعوره بالأمان والكرامة.
وقد استحضر نيجيرفان بارزاني في كلمته ما تعرض له الإيزديون من جرائم إبادة جماعية على يد تنظيم داعش الإرهابي، بوصفها واحدة من أبشع المآسي التي شهدها العراق وكوردستان. وهي مأساة لم تستهدف الأفراد وحدهم، بل طالت العائلات والمجتمع والذاكرة الإنسانية، وتركت آلاف الناجين والناجيات أمام تحديات نفسية واجتماعية وإنسانية معقدة.
ومن هذا المنطلق، فإن الاهتمام بضحايا الإرهاب ليس عملاً خيرياً مؤقتاً، بل هو واجب وطني وأخلاقي، يتطلب برامج حكومية مستدامة، ومؤسسات صحية متخصصة، ودعماً دولياً، فضلاً عن توفير فرص التعليم والعمل والسكن الكريم، وإعادة بناء المجتمعات التي تعرضت للدمار والتهجير.
“من دهوك إلى سنجار.. رسالة إنسانية تؤكد أن إعادة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن إعادة إعمار المدن”
القرآن الكريم يجعل إنقاذ الإنسان وإغاثة المظلومين من أعظم القيم الإنسانية
إن الرسالة التي حملتها كلمة رئيس إقليم كوردستان تلتقي مع المبادئ السامية التي دعا إليها القرآن الكريم، حيث يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾
وهذه الآية الكريمة تضع قيمة الحياة الإنسانية في منزلة عظيمة، وتذكرنا بأن حماية الإنسان ومساعدته وإنقاذه من الألم والمعاناة مسؤولية تتجاوز الاختلافات القومية والدينية والمذهبية والسياسية.
ويقول سبحانه وتعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
إن التعاون على البر والتقوى هو الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقات بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني والمنظمات الدولية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمساعدة ضحايا الحروب والإرهاب وإعادة الأمل إلى قلوب المتضررين.
كما يقول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
وهي دعوة واضحة إلى التآخي والتضامن وإصلاح العلاقات، ونبذ الكراهية والانقسام، والعمل من أجل مجتمع تسوده الرحمة والعدالة والتعايش السلمي.
معهد دهوك.. عشر سنوات من العمل الإنساني
إن تأسيس معهد العلاج النفسي والصدمات النفسية في جامعة دهوك قبل عشر سنوات يمثل توجهاً مؤسسياً نحو معالجة جانب بالغ الأهمية من آثار الحروب والإرهاب، من خلال تقديم الخدمات النفسية للمتضررين في دهوك وسنجار، والعمل على إعداد كوادر متخصصة قادرة على مواصلة هذه المهمة الإنسانية.
وقد أشار نيجيرفان بارزاني إلى أهمية هذا الدور، مثمناً جهود جامعة دهوك والعاملين في المعهد، وكذلك الدعم الذي قدمته المؤسسات والجامعات الألمانية لهذا المشروع، ولا سيما في مجال مساعدة الناجين من جرائم تنظيم داعش.
وهنا تبرز أهمية الشراكة الدولية في معالجة آثار الأزمات، فالدول التي تقف إلى جانب الشعوب في محنها الإنسانية تسهم في بناء جسور الثقة والتعاون، وتساعد على توفير الخبرات والإمكانات التي تحتاج إليها المجتمعات المتضررة.
كما أن التأكيد على ضرورة إزالة الحرج الاجتماعي المرتبط بالعلاج النفسي يحمل رسالة مهمة، وهي أن طلب المساعدة النفسية ليس ضعفاً ولا عيباً، وإنما خطوة طبيعية وشجاعة نحو التعافي واستعادة التوازن النفسي والاجتماعي.
سنجار وحقوق الإيزديين.. لا حلول من دون إرادة أصحاب القضية
ومن أبرز ما تضمنته كلمة رئيس إقليم كوردستان تأكيده أن الإقليم سيبقى داعماً لحقوق المواطنين الإيزديين، وأن أي خطة أو مشروع لمعالجة مشكلاتهم في سنجار أو في أي منطقة أخرى يجب أن ينطلق من مطالبهم ومصالحهم.
وهذا المبدأ يحمل أهمية سياسية وإنسانية كبيرة؛ لأن معالجة آثار المأساة لا تتحقق بقرارات إدارية فقط، بل تتطلب الاستماع إلى الضحايا والناجين، واحترام إرادتهم، وضمان مشاركتهم في القرارات التي تتعلق بمستقبل مناطقهم.
فمن حق أبناء سنجار أن يعيشوا بأمان وكرامة، وأن تتوفر لهم الخدمات الأساسية وفرص العمل والتعليم والرعاية الصحية، وأن يتمكن المهجرون من العودة الطوعية والآمنة إلى مناطقهم، مع ضمان حقوقهم وتعويض المتضررين والكشف عن مصير المفقودين ومحاسبة مرتكبي الجرائم وفق القانون.
إن العدالة والمصالحة وإعادة الإعمار ليست مسارات متعارضة، بل هي حلقات مترابطة في بناء مستقبل مستقر، ولا يمكن تحقيق سلام حقيقي من دون إنصاف الضحايا وجبر الضرر واحترام التنوع الديني والقومي والثقافي.
القيادة مسؤولية تجاه الإنسان قبل كل شيء
إن ما يستحق التوقف عنده في هذه المناسبة هو التأكيد على أن مسؤولية القيادة لا تقتصر على إدارة المؤسسات أو تنفيذ المشاريع أو معالجة الملفات السياسية والاقتصادية، بل تمتد إلى الاهتمام بالإنسان، ولا سيما أولئك الذين أثقلت الحروب والإرهاب كاهلهم وحرمتهم من أبسط مقومات الحياة الآمنة.
فالأوطان لا تُبنى بالحجر وحده، وإنما تُبنى بالإنسان، ولا تكتمل عملية إعادة الإعمار ما لم تترافق مع إعادة بناء الثقة والأمل والاستقرار النفسي والاجتماعي.
وفي هذا الإطار، فإن الرسالة التي أكدها نيجيرفان بارزاني تستدعي استمرار الدعم الحكومي والدولي للمؤسسات المتخصصة، وتوسيع خدمات العلاج النفسي لتصل إلى جميع المناطق المتضررة، وعدم ترك الناجين والضحايا يواجهون معاناتهم بمفردهم.
ختاماً..
إن الإنسانية لا تعرف حدوداً قومية أو دينية أو جغرافية، والدمعة التي تسقط من عين أم فقدت أبناءها في الحرب هي دمعة تستحق أن تجد من يمسحها، والطفل الذي حرمته الحروب من طفولته يستحق أن يستعيد حقه في الحياة والتعليم والأمان، والإنسان الذي فقد بيته وأهله يحتاج إلى وطن يحتضنه ومجتمع يقف إلى جانبه.
لقد علمتنا المآسي أن بناء الإنسان أصعب من بناء المدن، وأن تضميد جراح النفوس يحتاج إلى إرادة وصبر ومؤسسات متخصصة.
وكما قال الله سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
إنها دعوة إلى الأمل والصمود، وإلى أن يبقى الإنسان محور كل مشروع وطني وإنساني، وأن تكون الرحمة والعدالة والتعايش أساساً لمستقبل العراق وكوردستان.
فلا سلام من دون عدالة، ولا استقرار من دون كرامة، ولا مستقبل أفضل ما لم نمد أيدينا إلى الذين تركت الحروب والإرهاب جراحاً في أجسادهم ونفوسهم.