الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
الفتنة أشد من القتل.. والدستور والقانون خط أحمر
هناك مسؤولون حين يعجزون عن تقديم الخدمات، وحين تتراكم أمامهم الأزمات، وحين تتكشف وجوه الفشل والفساد، لا يجدون أمامهم إلا أسلوباً قديماً وخطيراً: إشغال الناس ببعضهم، وتحويل الأنظار من الفشل إلى الفتنة، ومن الفساد إلى القومية والطائفية.
وهنا تصبح القضية أخطر من مجرد خلاف سياسي؛ لأن اللعب بالنسيج الاجتماعي ليس لعبة، ومن يشعل نار الفتنة لا يستطيع دائماً أن يتحكم في اتجاهها بعد اشتعالها.
وقد حذّر القرآن الكريم من الفتنة تحذيراً شديداً، فقال تعالى:
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
كما قال سبحانه:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
وهذه الآية تحمل رسالة واضحة لكل من يحاول دفع المجتمع إلى الصراع: النزاع لا يصنع قوة، وإنما يصنع الفشل ويبدد قوة المجتمع.
من يحاول إشعال الشارع؟
في الوقت الذي يحتاج فيه المواطن إلى الكهرباء والماء والخدمات وفرص العمل وحماية المال العام ومحاسبة الفاسدين، نجد بعض الخطابات السياسية تنزلق إلى القومية والطائفية، وكأن مشكلة العراق ليست في الفشل الإداري والفساد وسوء الإدارة، وإنما في اختلاف قوميات أبنائه ومذاهبهم.
وهنا يجب أن نقولها بلا مجاملة:
العربي ليس عدواً للكردي، والكردي ليس عدواً للعربي، والتركماني ليس عدواً لأي منهما، والسني ليس عدواً للشيعي، والشيعي ليس عدواً للسني.
هذه مكونات شعب واحد، وما يجمع العراقيين أكبر بكثير مما يفرقهم.
والذين يحاولون زرع الكراهية بين أبناء الشعب إنما يقدمون خدمة مجانية للفشل والفساد.
فحين يفشل المسؤول في تقديم الإنجاز، يستطيع أن يغيّر الحديث من “ماذا قدمت؟” إلى “من أنت قومياً وطائفياً؟”
وحين يسأل المواطن عن المال العام، يُدفع به إلى سؤال آخر:
أنت مع هذا المكون أم ذاك؟
وحين يطالب المواطن بالخدمات، يجري تخويفه من الآخر.
وهكذا تضيع الحقيقة، ويضيع معها المسؤول الحقيقي عن الفشل.
المادة 140 ليست فتنة
وفي خانقين تحديداً، يجب أن يكون الكلام واضحاً ومسؤولاً.
أهالي خانقين الذين أرادوا تنظيم تظاهرة سلمية للمطالبة بتطبيق المادة (140) من الدستور العراقي، وما يرتبط بها من التطبيع والإحصاء والاستفتاء، لا يجوز تحويل مطلبهم الدستوري إلى تهمة قومية أو طائفية.
يمكن أن نختلف حول المادة (140)، ويمكن أن نختلف سياسياً وقانونياً حول آليات تنفيذها وآثارها، لكن الاختلاف لا يبرر تخوين المواطن.
من يرفض المادة (140)، فليقدم حجته القانونية. ومن يؤيدها، فليطالب بها بالوسائل السلمية والقانونية.
أما تحويل المطالبة الدستورية إلى مواجهة بين العرب والكرد والتركمان، فهذه هي الخطوة التي ينبغي الحذر منها.
فالدستور ليس ملكاً لقومية دون أخرى.
والقانون ليس ملكاً لحزب دون آخر.
والمواطن لا يفقد حقوقه لأنه ينتمي إلى قومية أو مذهب مختلف.
المسؤول الذي يشعل الفتنة أخطر من الخلاف السياسي
المسؤول الحكومي أو السياسي ليس مواطناً عادياً عندما يتحدث في قضية حساسة؛ فكلمته لها أثر، وتصريحاته قد تهدئ الشارع أو تشعل الشارع.
ولهذا فإن المسؤول الذي يعرف حساسية المجتمع ثم يستخدم لغة تستفز مكوناً ضد مكون آخر، يتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية وقانونية عن نتائج خطابه، وفقاً لما يقرره القانون والجهات القضائية المختصة.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء».
فكيف بمن يستخدم موقعه أو خطابه لإشعال الكراهية بين أبناء وطنه؟
وقال ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».
وهي قاعدة عظيمة في زمن أصبحت فيه الكلمة تنتشر خلال دقائق، وقد تكون كلمة واحدة سبباً في إشعال أزمة اجتماعية.
مجلس القضاء الأعلى.. رسالة إلى الجميع
إن توجيه مجلس القضاء الأعلى باتخاذ الإجراءات القانونية بحق من تثبت مسؤوليته عن إثارة الفتن الطائفية والتحريض على الفرقة والنيل من السلم المجتمعي، يجب أن يكون رسالة واضحة للجميع:
لا أحد فوق القانون.
لا السياسي فوق القانون.
ولا المسؤول فوق القانون.
ولا صاحب المنصب فوق القانون.
ولا صاحب النفوذ فوق القانون.
فإذا ثبت أن شخصاً تعمد التحريض وإثارة الفتنة أو الاعتداء على السلم المجتمعي، فالقانون هو الفيصل، مع احترام كامل لحقوقه وضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.
وهذا هو الطريق الصحيح.
لسنا مع الاعتقال لمجرد الاختلاف.
ولسنا مع إسكات الرأي المخالف.
ولسنا مع استخدام القانون لتصفية الحسابات السياسية.
لكننا في الوقت نفسه لسنا مع تحويل حرية التعبير إلى غطاء للتحريض والكراهية وإشعال الصراع بين أبناء الشعب.
يا من فشلتم.. لا تجعلوا الشعب وقوداً لفشلكم
إلى بعض المسؤولين والمتلونين والمنافقين سياسياً:
إذا فشلتم في إدارة مؤسساتكم، فراجعوا أنفسكم.
إذا فشلتم في توفير الخدمات، أصلحوا أخطاءكم.
إذا كانت هناك شبهات فساد، فافتحوا الملفات ودعوا القضاء يقول كلمته.
إذا غضب المواطن من أداء الحكومة، استمعوا إليه.
لكن لا تهربوا من فشلكم بإشعال الخلافات القومية والطائفية.
لا تجعلوا المواطن العربي وقوداً لخلافكم مع المواطن الكردي، ولا تجعلوا الكردي وقوداً لخلافكم مع العربي، ولا تجعلوا التركماني ضحية لصراعاتكم السياسية.
الشعب ليس لعبة بأيديكم.
والدم العراقي ليس ورقة انتخابية.
والفتنة ليست وسيلة مشروعة للبقاء في المنصب.
ومن أراد أن يحمي نفسه من المساءلة، فليقدم إنجازاً، لا فتنة.
ومن أراد أن يثبت براءته من الفساد، فليقدم الوثائق، لا الشعارات.
ومن أراد احترام الشعب، فليخدم الشعب.
رسالة إلى أهل خانقين والعراق
لا تسمحوا لأحد أن يفرقكم.
لا تجعلوا السياسي ينجح في تحويل الجار إلى خصم، والصديق إلى عدو، والشريك في الوطن إلى مصدر خوف.
اختلافنا السياسي لا يجب أن يتحول إلى عداوة اجتماعية.
والمطالبة بالحقوق لا تعني الاعتداء على حقوق الآخرين.
والتظاهر السلمي ليس جريمة.
والاعتراض السياسي ليس خيانة.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول المظاهرات أو الخطابات إلى إساءة أو تحريض أو اعتداء على أي مكون.
الدستور هو المرجع، والقانون هو الحكم، والقضاء هو الفيصل.
وأقولها بصراحة
أنا كردي وأعتز بكرديتي، وأنا عراقي وأعتز بعراقيتي.
وأرفض أن تتحول قوميتي إلى سلاح ضد العربي أو التركماني.
كما أرفض أن تتحول عروبة أو تركمانية أي مواطن إلى مبرر للعداء للكردي.
نحن نختلف، نعم.
نتحاور، نعم.
نتنافس سياسياً، نعم.
لكننا لا نتحول إلى أعداء.
إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الطائفية والقومية المتشنجة، بل يحتاج إلى دولة قانون، وقضاء مستقل، ومؤسسات قوية، ومسؤول يخاف الله قبل أن يخاف المنصب.
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
هذه ليست مجرد آية نتلوها، بل رسالة لمن يريد أن يفرق أبناء المجتمع:
لا تفرقوا الناس لتحقيق مصالحكم.
فمنصبك زائل، وحزبك زائل، ونفوذك زائل، لكن آثار الفتنة قد تبقى في المجتمع سنوات.
ولهذا فإننا نقول:
حاسبوا الفاسد بالقانون، وانتقدوا المسؤول بالفكر، وأسقطوا الفاشل بالانتخابات، وعارضوا السياسي بالحجة… لكن لا تشعلوا الفتنة بين أبناء الشعب.
فالفتنة إذا اشتعلت لا تسأل عن منصب مشعلها، ولا عن حزبه، ولا عن قوميته.
بل تحرق الجميع.
خانقين لا تريد فتنة.
العراق لا يريد فتنة.
والشعب العراقي تعب من الحروب والانقسامات.
فكفى متاجرة بالقومية والطائفة!
وكفى تخويفاً للعراقي من أخيه العراقي!
من يملك حلاً فليقدمه، ومن يملك إنجازاً فليعرضه، ومن يملك دليلاً على الفساد فليقدمه للقضاء… أما من لم يبقَ بيده شيء سوى إشعال الفتن، فعليه أن يعرف أن الشعب أصبح أكثر وعياً من أن يُقاد بهذه الأساليب.
الدستور فوق الجميع، والقانون فوق الجميع، والقضاء فوق الجميع، ووحدة الشعب خط أحمر.
والفتنة أشد من القتل .