البيشمركة من قوة تاريخية إلى منظومة ردع وطنية

فيصل إسماعيل إسماعيل

في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الصراعات والمصالح الدولية والإقليمية، تبرز قضية أمن كوردستان والدفاع عنها كأولوية لا تحتمل التأجيل. وفي قلب هذه المعادلة تقف البيشمركة، التي ارتبط اسمها تاريخياً بالدفاع عن الشعب الكوردي وأرضه ومكتسباته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تستطيع البيشمركة الانتقال من قوة ذات تاريخ مشرف طويل إلى منظومة دفاعية موحدة ومؤسساتية قادرة على الردع وحماية كوردستان في مواجهة تهديدات المرحلة الجديدة؟
من قوة تاريخية إلى مؤسسة دفاعية
أثبتت البيشمركة، خلال عقود طويلة، قدرتها على الدفاع عن كوردستان، وكان لها دور بارز في مواجهة الإرهاب، ولا سيما تنظيم داعش والانظمة الشوفينية التي تعاقبت على دفة الحكم في البلاد . إلا أن طبيعة المخاطر تغيرت؛ فالتهديد لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية، وإنما يشمل الإرهاب، والطائرات المسيّرة، واستهداف المنشآت الحيوية، وزعزعة الاستقرار، ومحاولات جر الإقليم إلى صراعات إقليمية لا تخدم مصالحه.
لذلك تحتاج البيشمركة إلى تطوير مفهومها الدفاعي بما يتناسب مع هذه التحديات، لتكون قوة مهمتها الأساسية الردع وحماية السكان والأرض والاستقرار، وليس الدخول في حروب لا تخدم المصلحة
لا يمكن بناء قوة دفاعية فعالة مع تعدد مراكز القرار العسكري. ومن هنا فإن توحيد البيشمركة تحت مؤسسة وطنية ومهنية يجب أن يكون أولوية.
المقصود ليس إلغاء تاريخ الأحزاب أو دورها السياسي، وإنما الفصل الواضح بين العمل الحزبي والمؤسسة العسكرية، بحيث يكون ولاء البيشمركة للقانون والمؤسسات والقرار الدفاعي، وتكون القوة العسكرية ملكاً لشعب كوردستان ومؤسساته.
فالردع لا يقاس بعدد المقاتلين والتجهيزات فقط، وإنما أيضاً بوحدة القرار والانضباط والقدرة على التحرك ضمن مؤسسة واحدة.
الردع الحقيقي لا يبدأ عند اندلاع الحرب، بل يبدأ قبلها. ولذلك تحتاج كوردستان إلى الجمع بين القوة الدفاعية والدبلوماسية والعلاقات الدولية والحوار مع بغداد.
كما أن المكانة القانونية والدستورية للبيشمركة ضمن المنظومة العراقية أمر أساسي، بما يحفظ حق إقليم كوردستان في حماية أمنه وسكانه، ويؤكد أن البيشمركة مؤسسة دفاعية وليست قوة حزبية أو أداة للتدخل خارج حدود مهامها.
وفي المقابل، فإن وحدة الموقف السياسي الكوردي تمنح القوة الدفاعية غطاءً أقوى، لأن الانقسام السياسي ينعكس في النهاية على قوة الردع مهما كانت
و لا يمكن مطالبة البيشمركة بأداء مهام دفاعية متقدمة من دون توفير متطلبات الاستدامة. فالقوة تحتاج إلى تجهيز منتظم، وخدمات طبية وإسعاف، ووسائل نقل وصيانة، واتصالات موثوقة، وتدريب مستمر، وأنظمة للإنذار المبكر وإدارة الأزمات.
كما أن التعاون مع الدول الصديقة والشركاء الدوليين في مجالات التدريب والتأهيل والخدمات الطبية والتقنية يمكن أن يرفع مستوى المهنية والجاهزية، ضمن الأطر القانونية العراقية والدولية.
وهنا يجب النظر إلى الإنفاق على البيشمركة باعتباره استثماراً في أمن كوردستان واستقرارها، وليس مجرد نفقات عسكرية.
الدفاع في العصر الحديث لا يعني حماية الحدود فقط. حماية المدن والقرى والمنشآت الحيوية، وتأمين الخدمات الأساسية أثناء الأزمات، وحماية المدنيين، والتنسيق مع الدفاع المدني والمؤسسات الصحية، كلها عناصر أساسية في منظومة الأمن.
ولهذا تحتاج كوردستان إلى استراتيجية متكاملة تربط بين البيشمركة والمؤسسات المدنية، بحيث تكون قادرة على مواجهة مختلف أنواع الأزمات، وليس المواجهة العسكرية وحدها.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى بيشمركة موحدة ومهنية، وإلى قرار سياسي أكثر تماسكاً، وإلى دعم لوجستي مستدام، وإلى علاقات دولية متوازنة، وحوار مسؤول مع بغداد.
فالبيشمركة ليست قوة للحرب، بل قوة لحماية السلام ومنع الاعتداء. وكلما كانت أكثر وحدة ومهنية وجاهزية، أصبحت كوردستان أكثر قدرة على حماية أمنها ومصالحها.
وفي النهاية، فإن الحفاظ على مؤسسة دفاعية كوردستانية قوية ليس مسؤولية حزب أو جهة واحدة، بل مسؤولية وطنية. فالسلام يحتاج إلى قوة تحميه، والردع يحتاج إلى مؤسسة موحدة، وكوردستان في هذه المرحلة تحتاج إلى بيشمركة تمتلك القرار، والإمكانات، والجاهزية، والغطاء القانوني والسياسي لأداء مهمتها التاريخية.

قد يعجبك ايضا
∧