الكورد من قضية مؤجلة إلى مستقبل يبحث عن حل

مناف حسن

هل الحديث عن دولة كوردية هو مجرد حلم أو خيال أم أن وراء هذا الحلم شعبا حقيقيا وتاريخا ولغة وثقافة وارضا وذاكرة مشتركة؟

الكورد ليسوا شعبا ظهر بالأمس ولا قضية عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة إنهم أحد شعوب المنطقة الأصيلة ويعدون من أكبر الشعوب في العالم التي لا تمتلك دولة قومية مستقلة ويعيشون بصورة رئيسية في العراق وتركيا وإيران وسوريا.

وعندما اعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى لم تتحول تطلعات الكورد إلى دولة مستقلة فقد تضمنت معاهدة سيفر عام 1920 ترتيبات تتعلق بالحكم الذاتي الكوردي لكن معاهدة لوزان عام 1923 جاءت من دون إنشاء دولة كوردية وأصبح الكورد موزعين بين حدود دول المنطقة الحديثة.

ومنذ ذلك الوقت عاش الكورد مراحل طويلة من الصراع من أجل الاعتراف بحقوقهم وهويتهم ولغتهم وثقافتهم ودفعوا أثمانا باهظة في أكثر من دولة. لكن السؤال اليوم ليس فقط ماذا حدث للكورد في الماضي؟

السؤال الأهم هو كيف نريد أن يكون المستقبل.لقد تغير العالم كثيرًا ولم يعد من الحكمة أن تبقى القضايا القومية رهينة الخوف والصراع والقوة والكورد أنفسهم أمام مسؤولية كبيرة في بناء مستقبلهم بالحوار والمؤسسات والوحدة السياسية واحترام حقوق الآخرين.

وفي المقابل فان الاعتراف بوجود القضية الكوردية لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه تهديد لأي شعب آخر.
الكوردي لا يحتاج إلى كراهية العربي حتى يعتز بكورديته ولا يحتاج إلى معاداة التركي أو الفارسي أو أي شعب آخر حتى يطالب بحقوقه.

وكذلك فإن الاعتراف بحقوق الكورد لا يعني انتقاصا من حقوق العرب أو الفرس أو الترك أو الآشوريين أو التركمان أو المسيحيين أو أي مكون آخر.فالمنطقة تتسع للجميع.
وما يحتاجه الكورد قبل أي شيء هو أن يشعروا بأن هويتهم ليست تهمة وأن لغتهم ليست خطرًا وأن تاريخهم ليس شيئًا يجب إخفاؤه وأن المطالبة بالحقوق لا تعني تلقائيا الدعوة إلى الصراع.

وفي العراق أصبح الاعتراف بالهوية الكوردية جزءًا من النظام الدستوري فاللغة الكوردية لغة رسمية إلى جانب العربية ويعترف الدستور بإقليم كوردستان إقليما اتحاديا .
وهذا يثبت أن التعايش بين الهوية الكوردية والدولة العراقية ممكن عندما يكون أساس العلاقة هو الدستور والشراكة والحقوق المتساوية.

أما في تركيا وإيران وسوريا فالقضية الكوردية لها ظروفها وتفاصيلها المختلفة ولا يمكن اختزالها في تجربة واحدة لكن القاسم المشترك هو وجود ملايين الكورد داخل هذه الدول وهو واقع لا يمكن تجاهله.
ولهذا ربما آن الأوان لفتح صفحة جديدة صفحة لا يكون فيها الكوردي خائفا من مستقبله ولا يكون فيها العربي خائفًا من الكوردي ولا التركي خائفا من الكوردي ولا الفارسي خائفا من الكوردي.

الحوار لا يعني أن يتنازل أحد عن هويته والتفاهم لا يعني أن يتخلى أحد عن حقوقه.
بل على العكس قد يكون الاعتراف المتبادل هو الطريق الذي يجعل شعوب المنطقة أكثر أمانا واستقرارًا.

أما حلم الدولة الكوردية فهو موجود في الوعي السياسي الكوردي منذ زمن طويل وله جذور تاريخية وسياسية واضحة لكن مستقبل أي مشروع سياسي لا تحدده الرغبات وحدها وإنما تحدده أيضا الظروف السياسية والإقليمية والدولية وقدرة الشعوب على بناء المؤسسات وتحقيق التوافق.

لذلك لا أريد أن أقول للكوردي انتظر المستحيل ولا أريد أن أقول لشعوب المنطقة اخافوا من الكورد بل أقول افهموا الكورد أكثر وافهموا تاريخهم ومخاوفهم وتطلعاتهم
والكورد أيضا عليهم أن يفهموا شعوب المنطقة ومخاوفها وهواجسها.

فربما يكون المستقبل الذي يبحث عنه الجميع ليس مستقبل الحروب والحدود المغلقة والصراعات بل مستقبلا يعيش فيه الجميع بكرامة سواء اختاروا في المستقبل أشكالا مختلفة من الحكم الذاتي أو الفيدرالية او الكونفدرالية أو الشراكة أو في ظروف تاريخية وسياسية مختلفة الاستقلال

المهم أن يكون الطريق إلى ذلك عبر إرادة الشعوب والحوار والوسائل السلمية لا عبر العنف والانتقام الكوردي شعب يريد أن يعيش بكرامة مثل أي شعب آخر
وإذا كان من حق كل شعب أن يعتز بلغته وتاريخه وثقافته فمن حق الكوردي أيضا أن يعتز بلغته وتاريخه وثقافته.

والأجمل من أن نعيش أعداءً إلى الأبد أن نتعلم كيف نعيش جيرانا يحترم بعضنا بعضا
فالمستقبل لا يحتاج إلى كورد خائفين ولا إلى شعوب خائفة من الكورد بل يحتاج إلى شعوب تفهم بعضها بعضا وتحترم اختلافها وتبحث عن السلام والكرامة للجميع.

قد يعجبك ايضا
∧