شيار خليل
إنها لحظة كتابة فصل جديد من التاريخ الحديث للعراق. اليوم، تنتهي مهام قوات التحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش» في العراق، في لحظة استثنائية تعيشها البلاد والمنطقة، وفي مفترق طرق قد يقود إلى المجهول تحت يافطة إتمام مراسيم «السيادة الوطنية المكتملة». إلا أن هذه اللحظة، بما تحمله من شعارات وأسباب، قد تكون بداية لتوجس جديد يتسلل إلى ظهور الكوردستانيين في مناطقهم خارج إدارة الإقليم، من كركوك وصولاً إلى شنكال.
تلك المناطق التي لم تغب يوماً عن الدستور، ولم تسقط لحظة من طاولة التفاوض، ولم يتسنَّ لها يوماً أن تستريح في تاريخ البلاد؛ جغرافيا مثقلة بالتعب الكوردي: تغيير ديموغرافي، واستيلاء، وتهجير، وتعريب، وتدمير للتاريخ، وقتل على الهوية، وإبادات جماعية، وفراغات أمنية لا تنتهي.
وما يدعو اليوم إلى استحضار كوارث الماضي هو أن المدن والبلدات في هذه المناطق تقف أمام مرحلة جديدة من دون مظلة أمنية واضحة تحميها من الأخطار، ومن دون جهة عسكرية موحدة تملك القدرة على ضبط تفاصيلها الأمنية وتوفير مقومات الحياة والاستقرار فيها.
والحال أن المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم لا تعاني فقط من مجموعة أزمات آنية، وإنما تعيش أزمة متراكمة أصبحت جزءاً من بنيتها السياسية والأمنية. فهي تعاني من حزام أمني أصبح ملاذاً لفلول الجماعات الإرهابية وعصابات الاغتيال والابتزاز المالي، ناهيك عن تداخل نفوذ الفصائل المسلحة والميليشيات.
وفي هذه اللحظة، ومع غياب الغطاء الجوي والعسكري الذي كان يوفره التحالف الدولي، باتت هذه الفجوات الأمنية أشبه بقنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.
وبالعودة إلى الوراء، لا بد أن نتذكر أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011 تحوّل حينها إلى فرصة لإقصاء الكورد وتهميش القوى السياسية في المناطق الكوردستانية في كركوك ونينوى وصلاح الدين، كما أدى إلى تفكيك منظومة التنسيق الأمني المشتركة بين بغداد وأربيل.
ولم يكن ظهور «داعش» وسقوط الموصل في حزيران/يونيو 2014 مجرد ضربة مفاجئة من تنظيم جهادي ظهر على أنقاض الوجود الأمريكي، بل كان أيضاً نتيجة لسنوات من الاختلالات السياسية والأمنية والإقصاء. فقد أدى انهيار القطاعات العسكرية الاتحادية إلى فراغ أمني هائل، ولولا التدخل السريع للبيشمركة وانتشارها لحماية كركوك والمناطق المتاخمة، لكان التنظيم قد وسّع سيطرته على مساحات أكبر من العراق.
وفي مطلق الأحوال، فإن ما يزيد من تعقيد وضع هذه المناطق هو موروثها التاريخي؛ فالتغيير الديموغرافي والتعريب والاستيلاء والتهجير فيها لم تبدأ عام 2014. فقد خضعت كركوك وخانقين وشنكال وغيرها، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لحملات تعريب قسرية واقتلاع للكورد من أراضيهم، إلى جانب تغيير الحدود الإدارية للبلدات بهدف ترسيخ التغيير الديموغرافي.
ودفع المكوّن الإيزدي في شنكال الثمن الأفدح جراء الفراغ الأمني، حين ارتكب «داعش» جريمة إبادة جماعية وثقتها مؤسسات الأمم المتحدة باعتبارها واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العصر الحديث.
وعقب تنظيم إقليم كوردستان للاستفتاء في أيلول/سبتمبر 2017، تحركت القوات الاتحادية والحشد الشعبي في 16 تشرين الأول/أكتوبر، وهاجمت كركوك والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، مما أجبر البيشمركة على الانسحاب إلى حدود ما قبل عام 2014، في ما عُرف لاحقاً بخيانة السادس عشر من أكتوبر.
بعد ذلك، عادت أزمة الأراضي الزراعية في مناطق مختلفة، وتعرض المزارعون الكورد للتضييق، كما جرى تهميش دورهم في الإدارات المحلية والمحافظات. وتحولت مواسم الحصاد في القرى الكوردية إلى مواسم خوف، جراء حرق المحاصيل والهجمات المباغتة التي تنفذها خلايا إرهابية في الفجوات الأمنية غير الممسوكة.
وحتى يومنا هذا، ما زال مئات الآلاف من أبناء شنكال وسهل نينوى عاجزين عن العودة إلى ديارهم، في ظل انتشار الفصائل المسلحة والميليشيات وتعدد مراكز القرار الأمني.
أما اليوم، في الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026، فلا نملك ترف إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها. إن حماية أمن كوردستان والعراق تفرض الذهاب نحو خطوات شجاعة وواقعية لا تعيد إنتاج سيناريو عام 2011، وفي مقدمتها إشراك البيشمركة في حماية هذه المناطق بوصف ذلك جزءاً من تطبيق الدستور، وتجسيداً لاتفاقيات التنسيق بين الجيش العراقي والبيشمركة على الأرض، بما يسهم في سد الثغرات الجغرافية ومنع التنظيمات الجهادية من استغلال الفراغات الأمنية والفلتان.
ويتطلب ذلك أيضاً إخراج كافة الجماعات والتشكيلات غير النظامية، وتسليم الملف الأمني إلى الشرطة المحلية والقوات النظامية، ضمن ترتيبات واضحة تضمن وحدة القرار الأمني وسيادة القانون.
وعليه، فإن عودة قوات البيشمركة إلى المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم ليست مطلباً حزبياً أو قومياً، وإنما حاجة أمنية وطنية لصيانة السلم الأهلي ومكافحة الإرهاب من جذوره.
لقد أثبتت السنوات الممتدة من 2011 إلى اليوم أن إبعاد البيشمركة عن هذه المناطق يخلق اختلالاً أمنياً ثقيلاً تدفع ثمنه مختلف المكونات: الكورد والعرب والتركمان والإيزديون والمسلمون والمسيحيون.
إن الشراكة الأمنية الحقيقية بين بغداد وأربيل هي الضمانة الأساسية لمنع تحول انسحاب التحالف الدولي إلى بوابة لمأساة جديدة، ولضمان أن تكون مرحلة ما بعد التحالف مرحلة بناء للاستقرار، لا إعادة إنتاج للفراغات التي سبق أن دفعت البلاد ثمنها باهظاً.