إعداد – التآخي
تجري عملية إعداد الموازنات المالية السنوية للدول وتنظيم أبواب صرفها والرقابة عليها عبر مسار مؤسسي وفني محدد يمر بعدة مراحل أساسية لضمان كفاءة الإنفاق وتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية.
تنطلق العملية بتقديم وزارة المالية أو الجهة المختصة للإطار المالي متوسط الأجل والتوجيهات العامة للإنفاق، بالتشاور مع الوزارات والقطاعات المختلفة لتقدير الاحتياجات والإيرادات المتوقعة (كالضرائب وعائدات الموارد الطبيعية) بناء على مؤشرات النمو والتضخم، لترفع لاحقا إلى السلطة التشريعية لمناقشتها وإقرارها قانونيا.
تقسم النفقات العامة على وفق معايير تنظيمية واضحة تضمن الشفافية وتوزيع الموارد بعدالة، وأبرزها النفقات الجارية (التشغيلية) وتشمل رواتب وأجور العاملين في القطاع العام، وشراء السلع والخدمات المطلوبة لتسيير المرافق الحكومية، وسداد فوائد الدين العام.
والنفقات الاستثمارية (الرأسمالية) وتخصص لتمويل البنى التحتية، والمشاريع الإنشائية طويلة الأجل كالمستشفيات، والطرق، وشبكات المياه والكهرباء. والنفقات التحويلية وتتضمن الدعم الاجتماعي، والمنح، والتحويلات للقطاعات الاقتصادية المختلفة.
تمارس الرقابة على المال العام عبر مسارين رئيسين، الرقابة المسبقة (الداخلية) وتتولى إدارتها وحدات الرقابة المالية والتدقيق الداخلي في داخل الوزارات للتأكد من قانونية الصرف وتوفير التخصيصات قبل اعتماد المعاملات. والرقابة اللاحقة (الخارجية) وتقوم بها الهيئات العليا للرقابة المالية والمحاسبة (ديوان الرقابة المالية) لمراجعة الحسابات الختامية وكشف أي هدر أو انحراف مالي، إلى جانب الرقابة البرلمانية التي تتابع التزام السلطة التنفيذية ببنود الموازنة المقرة.
ان غياب عملية مراجعة الحسابات الختامية يمثل ثغرة هيكلية خطيرة في النظام المالي للدولة، وله تداعيات عميقة على مستوى إدارة الموارد العامة والمساءلة. إليك تفصيل ما يعنيه ذلك وتأثيراته المباشرة، لاسيما على النفقات الاستثمارية.. وهل يعني ذلك أن مفاصل الموازنة جرى تجاوزها؟
غياب المراجعة اللاحقة والحسابات الختامية لا يعني بالضرورة بالمعنى التقني المحض أن بنود الصرف الأصلية لم تقر قانونا في بدايتها، فالموازنة عادة ما تبدأ بصيغة قانون معتمد. ولكن غياب هذه المراجعة يعني عمليا تعطيل الرقابة الفعلية بتحويل الأرقام التقديرية المعتمدة في الموازنة إلى حبر على ورق، حيث تفقد السلطة التشريعية والجهات الرقابية القدرة على تتبع أين ذهبت الأموال وكيف صرفت فعليا.

كما يعني تجاوز الصلاحيات والاعتمادات فتح الباب واسعا أمام المناقلات غير المصرح بها بين الأبواب المختلفة (كأن تُقتطع أموال النفقات الاستثمارية لتغطية عجز النفقات الجارية) من دون العودة إلى البرلمان أو الحصول على غطاء قانوني. ويعني غياب الشفافية والمساءلة خلق بيئة مبهمة تتعذر فيها معرفة مدى التزام الجهات التنفيذية بالسقوف المالية المحددة، مما يُضعف مبدأ سيادة القانون المالي.
وتتأثر النفقات الاستثمارية (الرأسمالية) الخاصة بإنشاء البنى التحتية والمشاريع التنموية بشكل بالغ وقاسي نتيجة غياب مراجعة الحسابات الختامية، ويتضح ذلك في شيوع الهدر وسوء الإدارة فالمشاريع الاستثمارية تتطلب عقودا طويلة ومتابعة دقيقة لمراحل الإنجاز. في غياب الحسابات الختامية، تضعف القدرة على كشف المشاريع “الوهمية” أو التعثر المالي، وتتزايد فرص الفساد وتضخيم التكاليف من دون رادع.
ويجري التضحية بالاستثمار لصالح الاستهلاك فعند حدوث أي أزمات مالية أو عجز، غالبا ما تلجأ الجهات التنفيذية غير الخاضعة للرقابة اللاحقة إلى اقتطاع المخصصات الموجهة للمشاريع الاستثمارية (كالمدارس والمستشفيات وشبكات المياه) وتحويل السيولة لتغطية النفقات الجارية كالرواتب، باعتبار أن الأخيرة أقل عرضة للمساءلة المباشرة على المدى القصير، مما يؤدي إلى توقف التنمية الاقتصادية.
ان الحسابات الختامية هي القاعدة الأساسية التي تبنى عليها موازنات السنوات اللاحقة عبر تقويم نسب الإنجاز ومعرفة الفجوات. غيابها يعني الاستمرار في التخطيط العشوائي وتكرار الأخطاء وتراكم المشاريع المتأخرة أو المعطلة دون تقويم حقيقي لجدواها الاقتصادية والاجتماعية.
ان الخطط الخمسية أو العشرية لا تقع ضمن الموازنة السنوية، بل تمثل الإطار الاستراتيجي والوجهة التنموية الشاملة التي تستمد منها وتترجم عبرها تلك الموازنات.
السمات والفرق الجوهري تتمثل في أن الخطط الاستراتيجية (الخمسية/العشرية) ترسم الرؤية الكلية للدولة على المدى الطويل، وتحدد الأهداف الكبرى كالتنويع الاقتصادي، بناء البنى التحتية الكبرى، وتطوير قطاعات الصحة والتعليم وفق مؤشرات جغرافية وقطاعية محددة.
الموازنة السنوية أداة تنفيذية قصيرة الأجل (لمدة عام واحد)، تترجم جزءا مرحليا من تلك الخطة الاستراتيجية على شكل اعتمادات مالية وأرقام فعلية قابلة للصرف بناء على الإيرادات المتاحة في تلك السنة. و ينبغي أن تكون الموازنة السنوية متسقة مع أهداف الخطة الخمسية؛ فالمشاريع الاستثمارية المضمنة في الموازنة يفترض أن تكون مندرجة مسبقا ضمن مسار الخطة التنموية الكبرى.
غالبا ما تصطدم الخطط الخمسية بتذبذب الإيرادات السنوية (كتقلبات أسعار النفط)، مما يؤدي أحيانا إلى تعثر تنفيذ بعض مسارات الخطة طويلة الأجل أو تأجيلها، لتتحكم الموازنة السنوية الفعلية بالقدرة المالية اللحظية على تمويل تلك الأهداف. وبذا فان غياب الحسابات الختامية وغياب الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى يحولان الموازنة العامة من أداة تنموية إلى حلقة مفرغة من الهدر، وتتحول الإيرادات السيادية من النفط والرسوم الجمركية والضرائب إلى موارد سائبة تفتقر للغطاء الرقابي الفعلي.
يتيح غياب الحسابات الختامية ترحيل الاعتمادات أو إخفاء العجز الحقيقي، مما يسهل تمرير عقود وهمية أو تضخيم فواتير المشاريع الاستثمارية من دون تدقيق فعلي على مخرجات الإنفاق. ويجري استنزاف أموال الأمانات والرسوم: الأمانات الضريبية والجمركية (التي يفترض أن تكون مبالغ مؤقتة تحت الحفظ أو الاسترداد) تستغل أحيانا كسيولة نقدية متاحة خارج دائرة الرقابة اليومية، مما يسهل التلاعب بها واختلاسها عبر قنوات مؤسسية مخترقة. كما ويجري التهريب المالي وغسيل الأموال إذ ان العائدات المتسربة لا تبقى داخل الدورة الاقتصادية الرسمية، بل تجد طريقها إلى شبكات تحويل غير رسمية، وتتحول إلى أصول عينية مخبأة في عقارات خارجية، أو تُكدس بصيغة أموال سائلة (كاش) في أماكن غير مخولة كالمنازل والمزارع بعيدا عن القطاع المصرفي الخاضع للامتثال.
الانعكاسات المدمرة على الاقتصاد والبنية التحتية تظهر بتعطيل التنمية الحقيقية وحرمان قطاعات الصحة، والتعليم، والبنى التحتية الأساسية (كشبكات المياه والصرف الصحي) من تخصيصاتها الفعلية، مما يكرس تردي الخدمات العامة.

وغياب الخطط الخمسية يجعل الإنفاق الحكومي رد فعل عشوائي للأزمات اليومية بدلا من أن يكون مسارا منظما نحو التنويع الاقتصادي المستدام. وتحول الموارد العامة من رافعة لرفاه المجتمع إلى وسيلة لتضخم الثروات الشخصية لشبكات النفوذ، مما يكرس اقتصاد الريع ويقوض مبدأ سيادة القانون.
استرداد الأموال والعقارات المهربة
استرداد الأموال والعقارات المهربة إلى الخارج يمثل أحد أعقد الملفات في مواجهة الفساد العابر للحدود، نظرا لتشابك القوانين الدولية وحماية السرية المصرفية في بعض الدول. وبرغم هذه الصعوبات، تتواجد منظومة دولية وقانونية متكاملة يمكن للدول المعنية، ومنها العراق، تفعيلها لاستعادة تلك الأصول، وتستند إلى الآليات الآتية: اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، تعد المظلة القانونية الدولية الأهم؛ إذ تفرض على الدول الأعضاء التزاما قانونيا بتقديم أقصى درجات المساعدة القضائية المتبادلة، وتسهيل تتبع وتجميد ومصادرة واسترداد الموجودات الناتجة عن جرائم الفساد وإعادتها إلى دولتها الأصلية.
تفعيل مبادرة استرداد الأصول المسروقة (StAR) وهو برنامج مشترك بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، ويوفر الدعم الفني والخبرات القانونية لمساعدة الدول النامية في تعقب الأموال المهربة في الحسابات المصرفية الأجنبية.
أوامر التجميد والحجز الاحتياطي المبكر، تعتمد على إصدار أحكام قضائية وطنية قابلة للتنفيذ الفوري خارجيا، وتعميمها عبر القنوات الدبلوماسية ومنظمة الشرطة الدولية الإنتربول، أو عبر الوكالات القضائية المتخصصة (مثل وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون العدلي “Eurojust”)، لمنع المتورطين من بيع العقارات أو تحويل أرصدة الحسابات الوهمية إلى وجهات أخرى.
مذكرات التفاهم الثنائية والتعاون القضائي المباشر: إبرام اتفاقيات خاصة مع الدول التي تشكل ملاذات رئيسة للأموال المهربة (سواء عبر الاستثمارات العقارية أو المصارف التجارية)، لتجاوز البطء البيروقراطي في الإنابات القضائية التقليدية وتسهيل تبادل المعلومات المالية المصرفية.
* المسار المدني البديل (Non-Conviction Based Forfeiture): في حال تعذر تسليم المتهمين أو صدور أحكام غيابية بحقهم لأسباب تتعلق بقوانين اللجوء أو جنسياتهم الثانية في تلك الدول، تتيح بعض الأنظمة القانونية الدولية رفع دعاوى مدنية مباشرة لمصادرة الأصول والعقارات استنادا إلى إثبات “عدم المشروعية الاقتصادية” لمصدر الأموال، بغض النظر عن إدانة الشخص شخصيا.
لقد تحول غياب الرقابة المالية إلى مظلة أمان للمفسدين، مكنتهم من نقل الأموال العامة وثروات الأجيال إلى عواصم العالم وملاذاته الآمنة من دون خوف من حساب أو عقاب.
إن الانتقال من مرحلة الاطمئنان الكامل للمتجاوزين إلى مرحلة الملاحقة الفعلية يتطلب اعتماد مقاربات مؤسسية حاسمة تكسر الحصانة الوهمية التي تمتعوا بها، وتعتمد على خطوات تتضمن إنشاء بنك معلومات وطني موحد للأصول الخارجية بربط قواعد بيانات هيئة النزاهة، ووزارة الخارجية، وتسجيل العقارات، والدوائر المالية، لحصر العقارات والشركات والأرصدة المسجلة بأسماء المسؤولين أو أفراد عائلاتهم والواجهات الوهمية في الخارج بدقة متناهية.
والاستعانة بشركات التحقيق الدولية المتخصصة: نظرا لأن الأموال المهربة غالبا ما تخفيها شبكات معقدة من الشركات الافتراضية والحسابات العابرة للحدود (Offshore Companies)، فإن التعاقد مع مكاتب محاماة وشركات تحقيق مالية عالمية يمتلكون صلاحيات تتبع الأموال في داخل النظام المصرفي الدولي يعد خطوة بالغة الأهمية لتوفير أدلة قانونية معتمدة أمام المحاكم الأجنبية. وهنالك الضغط الدبلوماسي واتفاقيات تبادل تسليم المطلوبين: تفعيل مذكرات القبض الحمراء (الإنتربول) بصورة صارمة، وإعادة مراجعة الاتفاقيات الثنائية مع الدول التي تحتضن تلك الأموال والعقارات، لكون حماية الفاسدين وأموالهم المسروقة تعارض مبادئ مكافحة الجريمة الدولية وغسيل الأموال.
ويمكن الاستفادة من القوانين الأجنبية لكشف من أين لك هذا؟، فبعض الدول الأوروبية والغربية تمتلك قوانين متطورة تسمى (Unexplained Wealth Orders – UWOs)، التي تتيح للسلطات القضائية هناك مطالبة أي شخص يمتلك أصولا باهظة بإثبات المصدر المشروع لتلك الأموال، وفي حال العجز عن ذلك يجري حجزها ومصادرتها لصالح الدولة الطالبة بغض النظر عن تعقيدات الإجراءات الجنائية التقليدية.
إن استعادة هذا المسار لا يمثل استردادا لأموال مادية مفقودة فحسب، بل هو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة وهيبة القانون المالي الذي تعطل طويلا، والقصور التشريعي الحالي يشكل الحلقة الأضعف في منظومة مكافحة الفساد، إذ إن القوانين المحلية القائمة غالبا ما تصاغ بأطر كلاسيكية تعجز عن ملاحقة الجرائم المالية العابرة للحدود أو التعامل مع التعقيدات التقنية لتهريب الأموال وغسيلها عبر الشركات الوهمية.
أبرز الثغرات التشريعية في القوانين الحالية
قصور قوانين الكسب غير المشروع تتمثل في عدم تواجد نصوص واضحة ومباشرة تفرض عبء إثبات المشروعية المالية على الشخص المشتبه به (مما يشابه قوانين الأصول غير المبررة العالمية)، بل تقع أحيانا عبء إثبات التهمة على عاتق الادعاء العام في بيئة تفتقر لأدوات التحقيق المالي الدولي.
ويشمل ذلك أيضا غياب قوانين متقدمة لحماية الشهود والمخبرين، مما يخلق بيئة طاردة للتعاون أو الإبلاغ عن الصفقات المشبوهة وشبكات غسيل الأموال الداخلية المرتبطة بالخارج. كما ان الحصانات السياسية أو الوظيفية لبعض المواقع تمنع البدء الفوري بالإجراءات القضائية التحفظية، مما يمنح الفاسدين وقتا كافيا لتفريغ الحسابات وبيع العقارات قبل صدور أي أوامر حجز.
يتوجب تشريع قانون استرداد عائدات الجرائم، يعني قانونا خاصا ومستقلا ينظم بدقة آليات التعاون مع الجهات الدولية، ويمنح هيئات النزاهة والقضاء صلاحيات واسعة للتعاقد مع وكلاء التحقيق الدوليين واعتماد أدلتهم، ولضمان استعادة العقارات والأرصدة المسجلة بأسماء واجهات وهمية في الخارج حتى في حال تعذر حضور المتهم أو صدور أحكام قضائية جنائية بحقه بسبب هربه أو تمتعه بجنسيات أجنبية.
ويتوجب فرض عقوبات مشددة على المؤسسات المالية أو المصارف الوسيطة التي تثبت تورطها أو تسترها على تمرير أموال مهربة، ورفع سقف الرقابة المصرفية على التحويلات الخارجية المشبوهة.
مع غياب هذه الأدوات القانونية الحاسمة، يظل الصراع مع الفساد العابر للحدود يشبه محاولة الإمساك بالماء من دون وعاء. وان واقع المحاصصة الحزبية وشبكات النفوذ يجعل من إقرار تشريعات حاسمة لمكافحة الفساد واسترداد الأموال مسارا شديد التعقيد، إذ تتحول المؤسسات التشريعية في كثير من الأحيان إلى ساحة لتفريغ القوانين الرقابية من مضمونها عبر التوافقات السياسية والمقايضات البينية لحماية المصالح المشتركة.
وتشمل آليات الالتفاف الحزبي على الإصلاحات التشريعية، التعطيل الممنهج في اللجان النيابية بإبقاء مشاريع القوانين الجوهرية (كقانون استرداد الأموال أو الكسب غير المشروع) مجمدة لفترات طويلة تحت ذريعة “المراجعة والتعديل”، فيما تمرر القوانين الخدمية أو الإدارية بسرعة.
وتمرير صيغ هشة أو فضفاضة للقوانين تفتقر للآليات التنفيذية الصارمة، مما يجعلها غير قابلة للتطبيق عمليا أمام المحاكم المحلية أو الدولية، و توظيف التحالفات لتوفير غطاء حمائي للمسؤولين الفاسدين، والتلويح بالأزمات السياسية في حال ملاحقة شخصيات تنتمي لكتل نافذة.