الكاتبة نهى إبراهيم بين تشريح الوجع الواقعي وتحرر الرمز الحيواني

حوار: عطا درغام

بين مطرقة التحولات الاقتصادية القاسية وسندان الموروثات الاجتماعية القديمة، تقف شخوص الكاتبة نهى إبراهيم لتواجه تشظيها النفسي وتيهها المعاصر في نصوص تقطر واقعية وصدقاً. لا تكتفي الكاتبة برصد السطح، بل تغوص بمبضع الجراح في عمق الأزمات؛ فتارة تشرح أثر البطالة على نفسية الأسرة، وتارة أخرى تقتحم البيوت لتكشف عن صراع صامت بين الأجيال ومفاهيم المرأة المعاصرة التي تمارس كبتاً مضاعفاً لتفادي الصدامات الأسرية.

لكن واقعية نهى إبراهيم لا تقف عند حدود البشر؛ بل تمتد بذكاء إلى عالم الرمزية والأسطورة الساخرة على لسان الحيوان، لتمرر عبر قططها وفئرانها دلالات سياسية واجتماعية تمس جوهر الحرية والتمرد على القيود. وفي المقابل، تفتح لأبطالها نوافذ من الملاذات الحسية والفنية؛ حيث تتحول “الطبلة المزركشة” والموسيقى إلى طوق نجاة يحمي روح الفنان من الطحن اليومي، حتى لو كان الثمن هو الانفصال التام عن الواقع الجاف.

في هذا الحوار المعمق والمكثف مع الكاتبة نهى إبراهيم، نبحر في عوالمها الإبداعية المتشابكة؛ لنستكشف كيف توازن بين قسوة السرد وجمالية الفكرة، وكيف تصنع من الكسل، وشهوة الطعام، والعزف في الفراغ، وجوهاً متعددة لعملة واحدة: الهروب من سلطة القيود.. كان لنا معها هذا الحوار:

* في قصة الأب “أحمد”، تناولتِ تبعات قوانين الخصخصة والبطالة؛ كيف ترين دور الأدب في رصد التحولات الاقتصادية وأثرها على نفسية الفرد؟

– شخصية أحمد هي شخصية مركبة لأنها تعكس الظروف النفسية والاجتماعية ومدى ارتباطها الوثيق بتأثير سوق العمل. وبالتأكيد، الأدب له تأثير قوي في المجتمعات؛ لأنه يرصد السلوك البشري في مواجهة كافة الظروف التي يواجهها الفرد في المجتمع. وهذا ما يمكن أن يجعله أكثر انفتاحًا في حل المشكلات، وفي بعض الأحيان يؤدي لتفادي الوقوع في المشكلات من باب أولى. وبالتاكيد إن قوانين الخصخصة والبطالة كان لها آثار كبيرة على المجتمع. وفي حالة أحمد، فقد كان التاثير السلبي هو الأكثر وضوحًا ورصدًا.

* تظهر في نصوصك مساحة من التشظي النفسي والتيه للأبطال، هل الكتابة عندك هي وسيلة لتشخيص هذا التيه أم لمحاولة علاجه؟

– في حالة طرح قضايا مجتمعية، فأنا أحاول تحليل النمط النفسي للفرد والمجتمع لإدراك مدى المرونة النفسية في حل المشكلات. نلاحظ مثلًا أن الشخصية اليائسة تحتاج لبث الأمل من المجتمع من خلال طرح المشروعات العملاقة والحديث عن الإنجازات، بينما الشخصية الخائفة فتحتاج لبث الأمان حتى لو كان زائفًا. فنجد أن الدول تطرح قضايا الدعم وهكذا. وأنا أرى أن بداية علاج المشكلات المجتمعية يكمن في الرصد والتحليل، وسيتم العلاج نتيجة لفهم أسباب هذا التيه. حيث سيكون نتيجة غير مباشرة لهذا الرصد والتحليل. وأنا بشكل عام لا أؤمن بالتوجيه المباشر، وأرى أنه لا يؤدي سوى لمزيد من التعطيل. إن التجربة الحياتية لها أثر فعال في السلوك البشري. كما أن القدوة مفيدة، ولكنها ليست مثل التجربة التي يختبرها الفرد من منظوره.

* إلى أي مدى تعكس العاصفة والطقس المكفهر في بدايات نصوصك الصراع الداخلي الذي تعيشه الشخصيات؟

– إن البيئة المحيطة بالفرد تساعد العمل الدرامي لوصف الحالة التي تمر بها الشخصية، بدون المبالغة في السرد. ولذا، فهي تعتبر وسيلة مساعدة قوية لتوضيح الفكرة ببساطة، وتسهل تخيل الموقف للقاريء

* كيف توازنين في قصصك بين نقل الواقع بقسوته (كحاجة الطفلة للعلاج المزمن) وبين الحفاظ على الجمالية السردية؟

– أنا لا أحب المبالغة في وصف المشاعر السلبية، وإن كان يتوجب الحديث عنها. لذا أحاول أن أدمجها في النص بشكل موضوعي يخدم الفكرة، ولا يؤذي مشاعر القاريء. وبشكل شخصي، أنا أكره قراءة النصوص التي تبالغ في وصف المشاهد السلبية بشكل مبالغ فيه. ولذلك عندما بدأت تجربة الكتابة وضعت نصب عيني تفادي الوقوع في هذا الخطأ.

* أبطالك يبحثون دائماً عن ملاذ؛ هل ترين أن الإنسان المعاصر بات محاصراً بالأزمات لدرجة لم يعد يجد فيها مفرّاً سوى الانعزال؟

– نعم، الإنسان المعاصر أصبح مُحاصرًا بالعديد من المشكلات النفسية والمجتمعية والاقتصادية. فانعزل داخل فقاعة السوشيال ميديا أو انجرف تجاه الإدمان بكل أنواعه المعروفة والمتداولة بكثرة في حياتنا المعاصرة. وسأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر إدمان الألعاب العنيفة والبلاي ستيشن مع الأصدقاء. وذكرت هذا المثل تحديدًا لأنني أكاد أجزم أنه السبب الرئيسي في كل جرائم القتل وسفك الدماء البشعة التي نسمع عنها مؤخرًا. أما عن صراع الأجيال والمرأة المعاصرة فهو مفهوم صحيح، ولكنه يستخدم في غير محله من وجهه نظري. فصراع الاجيال ناتج من الاختلاف، وهو طبيعة الله في الكون.

فاختلاف المرأة المعاصرة ناتج من تغير دور المرأة عبر العصور، وليس بالضرورة منافسة المرأة الرجل في كل مجالات الحياة. وأعتقد إن دور المرأة الحالي ينبغي أن يركز على التعلم والتوجيه؛ لإدارة الأسرة والحياة بشكل عام للأفضل، بفضل فطرة المرأة وحدسها السليم والتعليم، الذي يرفع لديها حس تحليل الأمور والتفكير المنطقي السليم.

* في مشهد “الحماة وزوجة الابن”، قدمتِ مواجهة حية حول “عمل المنزل”؛ كيف تقيمين الفجوة بين جيل يرى التضحية المطلقة في المطبخ وجيل يرى زمنه قد تغير؟

– إن مشهد الحماه والزوجة، هو تجسيد حقيقي لمفهوم المرأة المعاصرة. فالمرأة الآن لا تحتاج لبذل المجهود البدني في إدارة شؤون المنزل، وأرى أنها ليست مطالبة بذلك. ولكن من الأفضل أن تقضي وقتها في الرعاية الفكرية والنفسية لأطفالها وزوجها، بالإضافة لإدارة شؤون المنزل، بشكل يتوازن مع احتياجات الأسرة الفعلية، سواء أكانت مادية ومعنوية

*عبارة “الابتسامة الصفراء” و”ابتلاع المشاعر” تكررت كآلية دفاعية لزوجة الابن؛ هل ترين أن المرأة المعاصرة تمارس كبتاً مضاعفاً لتفادي الصدامات الأسرية؟

– بالتاكيد، إن مواجهة الزوجة لانتقادات من أي طرف في الأسرة أو العائلة، يجعلها تلجأ لسياسة المراوغة وكبت مشاعر الغضب لتفادي الصدام. وقد يؤدي هذا الكبت للانفجار في الوقت الخاطئ في كثير من الأحيان مما قد يؤثر على الأسرة بشكل خاص ويتبعه التاثير السلبي على المجتمع بشكل عام. بينما الصدام سيؤدي للانهيار المباشر للحياة الأسرية والمجتمعية على حد سواء. لذا من رأيي أن يعيش كل فرد من أفراد المجتمع تجربته الخاصة بعيدًا عن إصدار الأحكام على الآخرين، أو محاولة تغيير سلوكهم ليناسب طريقته الخاصة في التفكير.

* عاتبت الحماة زوجة ابنها بأنها “لا تقوم بدورها كما ينبغي”؛ هل تعتقدين أن معايير تقييم “المرأة الناجحة” ما زالت أسيرة موروثات قديمة؟

– نعم، فما قامت به الحماه من تضحيات ليس هو ما تحتاجه الاسرة المعاصرة. وعليه؛ فيجب أن نترك لكل جيل التعامل مع ضروريات حياته بالشكل الذي يرضيه، ويتناسب مع طريقة معيشته وطبيعة تفكيره. ينبغي أن تسير المجتمعات الحديثة على خطى ثابتة نحو التقدم والتطور.

* كيف ينعكس غياب الزوج (المتعب الغائب في عمله) كعنصر صامت ومحرك في نفس الوقت للخلافات النسائية داخل البيت؟

– خلق الله الكون بآدم وحواء ،لأهمية كل منهما في حياة الآخر. وأي غياب أو ضعف لأي منهما يؤثر في حياة الطرفين. ولذلك فإن تأثير العامل الذكوري على الخلافات النسائية هو أمر حتمي منذ بدء الخليقة.

* هل المشاحنات اليومية البسيطة في نصوصك هي مجرد تفاصيل عابرة، أم أنها القشرة الخارجية لأزمات مجتمعية أعمق؟

– إن الصراع والمشاحنات اليومية في النص الأدبي ،ما هي إلا نموذج لمشكلات مجتمعية أعمق تتسم بالشمولية. وليست مجرد مشاحنة عابرة بين شخصين. كما ان لها الكثير من الأبعاد التي تؤثر بوجه عام في المجتمع.

المحور الثالث: الرمزية والاسقاط على لسان الحيوان

* في قصة القط “كروشاك”، ما الرسالة الرمزية التي أردتِ إيصالها من خلال فكرة التمرد على “الحمية الغذائية” والبحث عن الخبز؟

إن فكرة تمرد الحيوان في قصة القط كروشاك، هي تمهيد لنظرية التمرد على غير المألوف عند كل المخلوقات بوجه عام. ففكرة البعد عن الحمية الغذائية والبحث عن الخبز، هي إسقاط لرفض الاستبداد والتمرد على القيود، حتى لو كانت تتمثل في نظام الحمية الغذائية، برغم الادعاء أنها أمر صحي ومفيد.

* تنتهي قصة القط بعبارة مفاجئة: “فهمت ما معنى أن أكون بديناً!”؛ كيف تحول العيب الجسدي هنا إلى قيد يمنع الحرية؟

– انتهاء القصة بإدراك القط حجمه الطبيعي، وأنه لن يستطيع الفكاك من منظومة القيود المفروضة عليه. هي في الأساس فكرة الصياد مع الفريسة. فالصيد يحتاج إدراك ما هي الفريسة ..؟وما مواصفاتها النفسية والبدنية..؟ ليستطيع ايجاد الطعم المناسب لها.

* لماذا اخترتِ في ومضة “الفأر دقدق” أن تنتصر الفئران على القط “بندق” بالحيلة والصمغ وليس بالمواجهة المباشرة؟

– إن فكرة انتصار الفاعلي القط بالحيلة والمكر، بدافع الرغبة في تحقيق الانتصار. بينما القط في الحقيقة، لم يكن لديه الدافع لمحاربة الفار من الاساس؛ لأنه كان مشبع بوجبة دسمة في هذا الوقت، وكان ينام باسترخاء. وهذا سهَّل على الفار مهمته في الانتصار، وتحطيم غرور القط برسمه.

* رسم “دقدق” للقط في عيد الفئران يحمل دلالة سياسية أو اجتماعية ساخرة؛ ما الذي يمثله القط في عالمك الرمزي؟

– إن الفار يمثل الجماعة ،في حين القط هنا يمثل الفردية .وبالتاكيد الفردية، يكون مصيرها الهزيمة في النهاية أمام الجماعة .ولذلك كانت الهزيمة محسومة من البداية.

* ما الذي يمنحه السرد على لسان الحيوان لنهى إبراهيم ولا تتيحه الكتابة بواقعية عن البشر؟

– الكتابة بتخيل الحيوان هو الشخصية الرئيسية مميز ومحبب ؛لأن فيها استخدام أكبر للخيال والعمق الفكري. كما أنها شيقة وجذابة لطبقة القراء عامة؛ للصغار أو الكبار. لما فيها من الخيال ابتعاد عن الواقع المعقد، وما يصاحبه من تحديات.
* عودة أحمد إلى “الطبلة المزركشة” رغم فقر حاله تمثل ارتداداً للشغف القديم؛ هل الفن في نصوصك هو طوق نجاة أم مجرد مسكّن مؤقت للألم؟

– في الحقيقة الفن دائمًا كان طوق النجاة لكل المجتمعات ،لأنه يحارب بشكل دقيق كل أنواع العفونة الفكرية والتردي الفكري ،ويُتيح للإنسان السوي التنفس والتعبير عن الرأي ،والإبداع لأفكار جديدة تساعد الفرد والمجتمع على حد سواء؛ لتحقيق بيئة أكثر توازنًا وصحة.

* نظرة صاحب المحل لأحمد كانت “نظرة الفنان لمعشوقته”؛ كيف ترين صمود روح الفنان داخل الإنسان رغم طحن الظروف المعيشية له؟

– روح الفنان تتنامى وتتصاعد ،وتكون في أعلى حالاتها مع شعور الفقد أو الألم. وليس بالمستهجن أن نجد فنانًا على خشبة المسرح، وهو يعلم بوفاة أحد أقربائه الأعزاء. يُبدع ويقدم في هذا اليوم تحديدًا أداءًا مسرحيًا تاريخيًا؛ لأنه ينبع من عمق التجربة الإنسانية التي يكون أساسها الحزن والشجن.

* واجهت الزوجة عزف أحمد بازدراء ووصفته بـ”المصيبة”؛ كيف يتصادم الفن مع متطلبات الحياة المادية الجافة من وجهة نظرك؟

– إن المجتمع المحيط لا يستطيع فهم طبيعة الفنان ،ولا يستطيع احتمال تقلباته المزاجية ،أو ضعف حالته المعيشية في بعض الأحيان. وهذا ما حدث مع احمد، عندما عاد بالطبلة الى المنزل، وزوجته تنتظر بعض الأموال أو الغذاء.

* في نهاية قصة الطبلة، يعزف أحمد مسترجعاً ما مضى و”ناسياً كل من أمامه”؛ هل الانفصال عن الواقع هو الحل الوحيد المتبقي لأبطالك؟

– ليس الانفصال عن العالم المحيط هو النهاية ،ولكنه خط فاصل للبداية الحقيقية التي تتسم بالتغير، واتساع الافق لعهد جديد وافكار جديدة ،والتحول لنسخة أفضل من الموجودة حاليًا.

* هل يمكن اعتبار “شهوة الطعام والكسل” عند القط، و”العزف في الفراغ” عند الأب، وجهين لعملة واحدة هي الهروب من سلطة القيود؟

– نستطيع اعتبار أن شهوة الطعام والكسل عند القط، هو التعبير الأسمى للعيش بلا أي قيد. ولكن العزف في الفراغ هو في الحقيقة انفصال للتغيير، وليس انفصالًا فقط. وعليه، فهو يعتبر نقطة تحول أساسية.

* تتنقلين بسلاسة بين القصة القصيرة والومضة الخاطفة (القصة القصيرة جداً)؛ أي القوالب تجدين فيه حريتك الإبداعية القصوى؟

– إن الفكرة هي التي تطرح نفسها؛ فبعض الأفكار تأتي على هيئة ومضات، لتسليط الضوء عليها. بينما توجد معانٍ أخرى تحتاج للشرح والتحليل. وبالتالي مساحة أكبر لتفنيد الفكرة وإيصال المفهوم والغرض منها كاملًا.

* الحوار في مشهد الحماة كان سريعاً ومكثفاً؛ كيف تنجحين في جعل الحوار محركاً للأحداث وليس مجرد حشو سردي؟

– حوار مشهد الحياة، هو في الحقيقة عبارة عن رمز لفكرة الحياة بين الجيلين السابق والحالي. وكان من الضروري وجود هذا الحوار الفعال والحماسي والمليء بالمشاعر، والمتناقضات التي تعبر عن الواقع، والمشكلة التي توجد في أغلب البيوت. فهو مشكلة أزلية بين القديم والحديث.

* تعتمد ومضاتك على “المفارقة” والنهايات المباغتة؛ كيف تطبخين هذه القفلة الذكية دون أن تفقد الومضة عمقها؟

– إن اعتمادي على التسلسل المنطقي للأحداث وسرد البعد النفسي، يؤدي لنهاية منطقية بدون الالتفاف حول عقل القارئ، أو إهانة ذكائه؛ فيقبل الخاتمة ويحبها.

* يلاحظ القارئ أنكِ تميلين إلى الجمل القصيرة المباشرة؛ هل هي رغبة في مجاراة إيقاع العصر الرقمي السريع؟

– هي مجرد محاولة لايصال الفكرة بوضوح، ولجعل فكرة القراءة نفسها أكثر جائبية. بالإضافة إلى ميل الكثيرين في الوقت الحالي لقراءة النصوص القصيرة الخالية من الوصف الممل والرتابة في الأفكار.

* كيف تختارين أسماء أبطالك (مثل أحمد، كروشاك، دقدق، بندق)؟ وهل للاسم دلالة مسبقة في ذهنك أثناء نسج الحكاية؟

– لا أستطيع تحديد هذا الأمر مسبقًا ؛فكل شخصية أكتبها تدفعني للنطق باسمها لا شعوريا، بحسب مشاعري تجاهها. فالشخصية هي من تفرض اسمها بالفعل. في بعض الأحيان يقترح المحيطين بي تغيير بعض الأسماء، لكني أرفض ذلك قطعيًا.

قد يعجبك ايضا