عواد علي
فقد الأدب العراقي برحيل القاص والروائي الكردي حسين عارف، عن عمر ناهز 90 عامًا، في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق، واحدًا من أبرز أعمدة الأدب الكردي الحديث في العراق، ورائدًا من رواد حركة التجديد السردي الذين نقلوا القصة والرواية الكردية من أُطرها الحكائية إلى الإبداع القائم على أسس البناء السردي المعاصر. وقد رثاه العديد من الأدباء الكرد، مثل الشاعر لطيف هلمت الذي قال “حسین عارف أحد أعمدة الحداثة الكردية، وروائي ومبدع كبير ومثقف واسع الاطلاع في كافة الحقول الثقافية”، والشاعر والمترجم حسين الجاف، الذي كتب واصفًا إياه بـ”أمير القصة والرواية الكردية”، وأضاف بأنه “كرّس حياته وقلمه لخدمة قيم الجمال والحب والحق والعدالة”. ولِد حسين عارف في مدينة السليمانية، وهي الحاضرة الثقافية والفكرية التي طالما كانت فضاءً للشرارات الأولى للحركات الأدبية والسياسية الكردية. وأتاحت له نشأته في هذه البيئة الاحتكاك المبكر بأمهات الكتب والنشاط الأدبي والسياسي المتوهج. تجلت محطة مفصلية في حياة عارف أثناء دراسته القانون في كلية الحقوق بجامعة بغداد (تخرّج عام 1965)؛ حيث منحه الإلمام بالتشريعات والقضايا الحقوقية نظرةً ثاقبةً للعدالة ومفاهيم الحرية، وغرس في قصصه ورواياته رغبةً عارمة في كشف التمايز الطبقي والظلم الاجتماعي. كما أسهم، على نحو فعّال، عام 1970 في تأسيس حركة “روانكه (المرصد) الأدبية، إلى جانب نخبة من الأدباء والشعراء والقاصين، أبرزهم شيركو بيكس، كاكه مم بوتاني، جلال ميرزا كريم، وجمال شاربازيري، وقد دعت الحركة إلى الحداثة اللغوية والفنية وكسر الأنماط السائدة لمواكبة روح العصر، إضافةً إلى اتحاد الأدباء الكُرد ، وهو الاتحاد الذي شكل حجر الزاوية في تنظير الأدب الكردي المكتوب وتطويره وترسيخ لغته السردية. على الصعيد المهني، عمل حسين عارف عام 1982 نائبًا لرئيس تحرير صحيفة ” كاروان” (القافلة) في مدينة أربيل، ومحررًا في مركز “گلاويژ ” الثقافي في السليمانية، وأصبح عضوًا في الدورة الأولى لبرلمان إقليم كردستان عام 1992. أما على صعيد الكتابة الأدبية فله عدد من الروايات والمجموعات القصصية، ومسرحية، وأبحاث نقدية منها: رواية “شار” (المدينة) في جزئين، رواية “خيال الإنسان”، رواية “العش”، “الشاي الحلو” (مجموعة قصصية)، “الذئاب” (مجموعة قصصية، و”أبحاث في القصة الكردية”، وكتابان آخران، الأول بعنوان “زمن العبودية”، والثاني بعنوان “أصدقاء وخصوم”، ومسرحية “سيادة الوحش”. لم يكن حسين عارف مجرد كاتب ينسج حكايات، بل كان مبدعًا وجدانيًا ومصلحًا اجتماعيًا سخّر قلمه لغور أعماق الشخصية الكردية، وتفكيك التحولات الاجتماعية والسياسية الحادة التي شهدتها المنطقة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ينتمي أدب حسين عارف إلى التيار الواقعي النقدي، إلا أنه لا يكتفي بالوصف الظاهري للأحداث بل يغوص في الدوافع النفسية لشخصياته، مبينًا أثر الضغوط السياسية والاجتماعية في تشكيل وعيها ومواقفها، ويتسرّب فيه الحس الحقوقي، إذ تظهر شخصياته غالبًا في مواجهة “محاكمات” غير عادلة، سواء كانت محاكمات قضائية من قبل السلطة، أو محاكمات عرفية يفرضها المجتمع التقليدي. وتتميز قصصه بالقدرة على التقاط اللحظة الحادّة، أو المفصلية في حياة الفرد؛ حيث تصطدم الرغبة الفردية بالجدار الخرساني للتقاليد أو القمع السلطوي، وبإثراء اللغة السردية السورانية (إحدى اللهجات الكردية الرئيسة التي تكتب عادةً بحروف الأبجدية العربية المعدلة) من خلال تطويعها لتستوعب المفاهيم والمصطلحات الحديثة من دون أن تفقد أصالتها، مستفيدًا من الثراء اللغوي للمحيط الجغرافي والبيئي لكردستان. ملامح قصصه القصيرة يمكن تأشير أبر ملامح القصة القصيرة لدي عارف بما يأتي:
لا تلتزم بالحدث بحد ذاته، بل تشكّل أداةً لتفكيك البنية النفسية للإنسان الكردي المعاصر
تسلّط الضوء على الهامش من خلال التركيز على طبقات العمال، الكسبة، والمثقفين المحبطين، وتعكس حالة الاغتراب التي يعشونها تحت التضييق السياسي والاجتماعي.
تستخدم الرمزية الذكية للالتفاف على الرقابة السياسية الصارمة التي كانت تفرضها السلطات في العقود الماضية، والتلميح إلى الهوية الوطنية، ومقاومة الظلم من دون السقوط في المباشرة والتقريرية. الرواية: المعمار الممتد والتاريخ الوجداني انتقال حسين عارف إلى كتابة الرواية (مثل رواية “شاربان – الشاربان” ورواية “سەرچاوە – المصدر”) كان بمثابة تدشين لمرحلة النضج في السرد الروائي الكردي. وتتّسم بـ:
تشابك البعد الاجتماعي بالبعد السياسي، وصراع الإنسان مع أصل وجوده وأرضه وحقه في العيش بكرامة، وتناول العلاقات الإنسانية في ظل تغيرات دراماتيكية تجتاح المدينة والريف.
البناء الملحمي للشخصيات، حيث تبدو مركبًة تمتلك نقاط ضعف وقوة، وتتصارع من أجل البقاء، وترفض الاستسلام لواقع القهر.