عرفان الداوودي
تُروى حكاية طريفة عن امرأة اتصلت بأحد الشيوخ وقالت له:
«شيخنا، أنا أصلي وأصوم، وكلما طلب مني زوجي أن أعدّ له الجاجيك أرفض، لأنني أعتقد أنه حرام. واليوم هدّدني بالطلاق إذا لم أعدّه، فماذا أفعل؟»
فقال لها الشيخ: «يا بنتي، اعملي له جاجيك، شكو بي؟ هو زلاطة! ماكو فرق بين الزلاطة والجاجيك، وأحسن من أن يطلقكِ».
قد تكون القصة ساخرة، لكنها اليوم تصلح مثالاً على حالة سياسية وإعلامية نشاهدها يومياً؛ إذ أصبح القانون والدستور والاقتصاد والأمن والشريعة والخطط العسكرية والموازنة عند البعض مثل «الجاجيك والزلاطة»؛ يخلطون بينها وكأنها موضوع واحد لا يحتاج إلى معرفة أو اختصاص.
نرى على شاشات التلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي أشخاصاً يتحدثون في كل شيء: دكتور، ومسؤول، وأستاذ، ومحلل سياسي، وكاتب، وإسكافي، وشرطي، و«جايجي»! وكل واحد منهم يتحول خلال دقائق إلى خبير في الدستور والقانون والاقتصاد والشؤون العسكرية والعلاقات الدولية.
المشكلة ليست في أن يتحدث المواطن أو يبدي رأيه؛ فهذا حق مكفول. لكن المشكلة عندما يتحول الرأي الشخصي إلى فتوى قانونية، والتفسير السياسي إلى نص دستوري، والشعار الإعلامي إلى حقيقة قانونية.
السلاح والدستور.. ليست «جاجيك وزلاطة»
من الأمثلة التي تستوجب التوقف: عندما تطلب الحكومة الاتحادية حصر السلاح بيد الدولة، فإن الأصل أن يكون النقاش وفق الدستور والقوانين والمؤسسات الرسمية، وليس وفق المزايدات السياسية أو منطق «هذا يسلم سلاحه وذاك لا يسلم».
والأخطر أن يحاول البعض تحويل القضية إلى معادلة سياسية انتقائية، فيقول: على الفصائل أن تسلم السلاح، ولكن على قوات البيشمركة أيضاً أن تسلم سلاحها أولاً، وكأن المؤسستين متساويتان من الناحية الدستورية والقانونية.
وهنا يجب التفريق بدقة.
قوات البيشمركة ليست جماعة مسلحة خارج الإطار الدستوري لمجرد أنها تابعة لإقليم كردستان؛ فالدستور العراقي أقر وجود إقليم كردستان وسلطاته، كما أقر في المادة 121 صلاحيات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للإقليم، ونصت المادة 121/5 على أن حكومات الأقاليم مسؤولة عن تنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم، فيما تناولت المادة 143 وضع البيشمركة في السياق الدستوري الانتقالي.
كما أن المادة 117 اعترفت بإقليم كردستان إقليماً اتحادياً، وبالتالي فإن التعامل مع قواته ومؤسساته يجب أن يكون من خلال الدستور والقوانين والاتفاقات النافذة، لا من خلال شعارات سياسية أو مقارنات سطحية.
وفي المقابل، فإن حصر السلاح بيد الدولة مبدأ دستوري وقانوني أساسي، ولا يجوز أن تتحول المطالبة به إلى وسيلة لاستهداف طرف سياسي أو قومي بعينه.
المطلوب دولة قانون.. لا دولة مزاج
إذا كنا نريد بناء دولة مؤسسات، فعلينا أن نتعامل مع النص الدستوري باعتباره نصاً ملزماً، والقانون باعتباره قانوناً، والمؤسسة العسكرية باعتبارها مؤسسة رسمية، والسلاح باعتباره قضية سيادية وأمنية لا تخضع للانتقائية.
فلا يجوز أن نقول اليوم إن الدستور مقدس، ثم عندما لا يعجبنا نص فيه نبحث عن تفسير آخر.
ولا يجوز أن نطالب بتطبيق القانون على خصومنا، ثم نعتبر القانون نفسه غير ملزم عندما يتعلق الأمر بحلفائنا.
ولا يجوز أن نرفع شعار «حصر السلاح بيد الدولة» ثم نستخدمه سياسياً ضد طرف دون آخر.
«حسن كجل.. كجل حسن»
المشكلة الحقيقية أن البعض يتعامل مع الملفات العراقية بمنطق «حسن كجل.. كجل حسن»؛ لا فرق عنده بين قضية دستورية وأخرى، ولا بين مؤسسة اتحادية ومؤسسة إقليمية، ولا بين سلاح الدولة والسلاح خارج مؤسساتها، ولا بين الرأي الشخصي والنص القانوني.
والعراق اليوم لا يحتاج إلى المزيد من «الخبراء» الذين يخلطون الجاجيك بالزلاطة، وإنما يحتاج إلى رجال دولة وخبراء قانون ودستور واقتصاد وأمن، كلٌّ يتحدث في مجال اختصاصه، وبعيداً عن الانتقائية والمزايدات.
إن بناء الدولة لا يكون بالصوت الأعلى، ولا بعدد المتابعين، ولا بكثرة الظهور على شاشات التلفاز، وإنما باحترام الدستور وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز أو ازدواجية.
فإذا كان القانون واحداً، فيجب أن يكون تطبيقه واحداً.
وإذا كان الدستور مرجعنا جميعاً، فلا يجوز أن نقرأ منه ما يعجبنا ونترك ما لا يعجبنا.
أما تحويل كل قضية دستورية وسياسية وأمنية إلى «جاجيك وزلاطة»، فهذه هي المشكلة التي جعلت المواطن لا يعرف أين تنتهي السياسة وأين يبدأ القانون، وأين ينتهي الرأي وأين تبدأ الحقيقة.
العراق بحاجة إلى دولة قانون، لا إلى فتاوى سياسية؛ وإلى دستور يُحترم، لا دستور يُفسَّر حسب الطلب .