من يقود العقل؟

حكيم الساعدي

حوار فكري بين الفيلسوف التنويري فرقد الأغا والكاتب الباحث حكيم الساعدي حول العقل والإرادة والوعي
إشكالية الثنائيات والخلط بين الكيانات
حكيم الساعدي:
أستاذ فرقد أثناء قراءتي لبعض الآراء المتباينة حول العقل والإرادة، ومنها ما يُنسب إلى جوزيف ميرفي من أن العقل ينفذ ما يُملى عليه، وجدت نفسي أمام سؤال أعمق: هل العقل آلة مستقلة تتفاعل مع العالم الخارجي عبر الحواس، بينما لا نملك سيطرة مباشرة على جميع ما يجري فيها؟ وإذا كان العقل ينفذ الإرادة، فمن الذي يمثل الإرادة الحقيقية؟ هل هي الروح، أم الجسد، أم أن السؤال نفسه يقوم على افتراضات تحتاج إلى مراجعة؟
فرقد الأغا:
السؤال مهم لكن مشكلته تبدأ من أنه يجمع عدة مسائل مختلفة في سؤال واحد. لذلك علينا أولاً أن نميز بين العقل، والوعي، والإرادة، والذات، والجسد، وألا نفترض منذ البداية أنها كيانات منفصلة تتبادل الأوامر.
أرى هنا ثلاثة إشكالات أساسية.
الأول هو الخلط بين عدم التحكم الواعي المباشر في بعض العمليات العقلية وبين استقلال العقل وجودياً. كون الإنسان لا يستطيع التحكم لحظة بلحظة في كل ما يجري في منظومته العقلية لا يعني أن العقل جوهر مستقل عنه.
الثاني هو افتراض أن الإرادة لا بد أن تأتي من مصدر منفصل عن العقل، كأن يكون هناك فاعل اسمه الروح يقف خلف العقل ويوجهه. هذه ليست نتيجة، وإنما فرضية تحتاج إلى إثبات.
أما الثالث فهو حصر المسألة في ثنائية: إما الروح، وإما الجسد. الإنسان قد يكون منظومة متكاملة تتفاعل فيها العمليات العصبية والإدراكية والانفعالية والذاكرية والبيئية والاجتماعية، من دون أن يعني ذلك أننا حسمنا مسبقاً طبيعة العلاقة بينها.
صياغة السؤال الفلسفي الدقيق
حكيم الساعدي:
إذاً، كيف ينبغي أن نصوغ السؤال حتى لا نحمله افتراضات غير مثبتة؟
فرقد الأغا:
الأفضل أن نسأل:
إذا كانت بعض العمليات العقلية لا تخضع للتحكم الإرادي المباشر، فما علاقتها بالذات التي ننسب إليها التفكير والقرار والإرادة؟
هذه الصياغة أكثر دقة لأنها لا تفترض مسبقاً أن العقل مستقل، ولا تفترض في المقابل أنه غير مستقل. إنها تضع المسألة موضع البحث.
ثم ينبغي أن نسأل سؤالاً آخر:
هل عدم التحكم الواعي في عملية ما يثبت أن مصدرها مستقل عن الذات الإنسانية؟
وهنا أقول بوضوح: لا.
فعدم التحكم يثبت شيئاً واحداً في حدوده المباشرة، وهو أن العملية لا تخضع للتحكم الإرادي الواعي المباشر. أما استقلال مصدرها وجودياً، فهذه دعوى أخرى تحتاج إلى دليل مستقل.
الاستقلال الوظيفي مقابل الاستقلال الأنطولوجي
حكيم الساعدي:
لكن هل نستطيع مع ذلك أن نقول إن العقل يعمل بصورة مستقلة عنا، ولو بمعنى وظيفي؟
فرقد الأغا:
نعم إذا قصدنا بالاستقلال الوظيفي أن بعض العمليات العقلية تجري دون تدخل إرادي واعٍ مباشر. لكن يجب ألا نحول هذا المعنى إلى استقلال أنطولوجي.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
الاستقلال الوظيفي النسبي يعني أن العملية تعمل دون توجيه واعٍ مباشر.
أما الاستقلال الوجودي أو الأنطولوجي فيعني أن العقل كيان قائم بذاته ومنفصل عن الدماغ والجسد والمنظومة الإنسانية.
الأول يمكن مناقشته على أساس ما نعرفه عن العمليات العقلية غير الواعية، أما الثاني فلا يثبت بمجرد وجود تلك العمليات.
وهذا تمييز ضروري؛ لأن الانتقال من “لا أتحكم في العملية” إلى “العملية صادرة عن كيان مستقل” هو انتقال استدلالي غير مبرر.
مساواة الوعي بالذات وعلاقة العمليات غير الواعية بها
حكيم الساعدي:
ألا يمكن الاعتراض بأنني، ما دمت لا أتحكم في بعض العمليات التي تحدث في عقلي، لا أكون أنا الفاعل الحقيقي لها؟
فرقد الأغا:
هنا يجب أن ننتبه إلى معنى كلمة “أنا”.
إذا كان المقصود بـ”أنا” الوعي اللحظي فقط، فمن الطبيعي أن نجد عمليات تحدث دون أن يكون الوعي اللحظي قد اختارها.
لكن إذا كان المقصود بـ”أنا” الذات الإنسانية بوصفها منظومة متكاملة، فلا يلزم أن تكون العملية التي لم أتحكم فيها واعياً عملية غريبة عني.
عدم وعيي بالعملية لا يعني أنها ليست جزءاً من منظومتي.
وهنا يظهر خطأ شائع: مساواة الوعي بالذات كلها.
قد لا أكون واعياً بكل ما يحدث في جسدي، ومع ذلك لا أقول إن جسدي ليس جسدي. وبالمثل، قد لا أكون واعياً بكل العمليات التي تدخل في تكوين فكرة أو قرار، ولا يلزم من ذلك أن تكون هذه العمليات صادرة عن فاعل خارجي عن الذات.
المستويات الأربعة للعمليات العقلية
حكيم الساعدي:
إذن هل يمكن القول إن العمليات غير الواعية جزء من الذات، رغم أنها لا تخضع لإرادتها الواعية؟
فرقد الأغا:
يمكن طرح ذلك بوصفه تفسيراً قوياً، لكنه يحتاج إلى صياغة دقيقة.
أنا لا أقول إن كل عملية غير واعية هي بالضرورة جزء من الذات بمعنى فلسفي مكتمل، وإنما أقول إن عدم الوعي بها لا يكفي لإخراجها من الذات.
وهذه نقطة مهمة جداً.
علينا أن نميز بين أربعة أمور:
حدوث العملية: هل حدثت دون وعي؟
مصدر العملية: ما الآلية التي أنتجتها؟
انتماء العملية إلى الذات: هل هي جزء من المنظومة التي تكوّن الشخص؟
نسبة القرار إلى الشخص: هل يمكن اعتبار القرار قراراً له، وبالتالي مساءلته عنه؟
لا يجوز دمج هذه المستويات الأربعة في حكم واحد.
أسبقية النشاط العصبي وتوقيت القرار
حكيم الساعدي:
إذا كان القرار يبدأ أحياناً قبل أن نعيه، فهل يعني ذلك أن الإرادة تأتي بعد القرار، وليس قبله؟
فرقد الأغا:
هذه نتيجة أكبر من الأدلة التي يمكن استخلاصها من مجرد أسبقية بعض العمليات غير الواعية.
وجود معالجة أو نشاط سابق للوعي لا يعني بالضرورة أن القرار قد اكتمل بكل معناه قبل الوعي. كما أن توقيت نشاط عصبي معين لا يكفي وحده لتعريف الإرادة أو نفيها.
يجب أن نميز بين نشوء الميل أو الاستготовка، وتكوين القرار، والوعي بالقرار، وتنفيذ القرار، وتقييمه بعد حدوثه.
قد تبدأ بعض العمليات قبل الوعي، لكن هذا لا يعني أن كل ما نسميه قراراً قد حُسم مسبقاً، ولا يعني أن الوعي مجرد شاهد سلبي دائماً.
ولهذا ينبغي الحذر من تحويل نتائج تجريبية محددة حول توقيت بعض النشاطات العصبية إلى نظرية شاملة.

قد يعجبك ايضا