د. كريم نوري عبد الله الدليمي.
تعد محاولة الانقلاب العسكري في تركيا بتاريخ 15 تموز عام 2016، واحدة من اخطر وابرز الاحداث السياسية في تاريخ تركيا الحديث ، لما احدثته من تحولات عميقة في بنية الدولة والحياة السياسية والمجتمع التركي، ففي ليلة 15 تموز 2016 ، شهدت البلاد تحركاً عسكرياً مفاجئاً استهدف الإطاحة بالحكومة والسيطرة على مؤسسات الدولة، الا أن المحاولة فشلت خلال ساعات بعد تصدي القوات الموالية للحكومة لها، الى جانب مشاركة أعداد كبيرة من المواطنين في مواجهة الانقلاب ، ولم تقتصر أهمية هذا الحدث على فشل الانقلاب فحسب، بل امتدت اثاره الى السنوات التي تلته ، اذ شهدت تركيا إجراءات واسعة لإعادة هيكلية مؤسسات الدولة ، وتغييرات كبيرة في المؤسسة العسكرية والنظام السياسي ، إضافة الى اعلان حالة الطوارئ واجراء تعديلات دستورية أسهمت في الانتقال من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي ، كما اثارت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة بعد الانقلاب جدلاً واسعاً على المستويين الداخلي والدولي بشأن الحريات وحقوق الانسان وسيادة القانون.
ومن هنا فان الانقلاب العسكري في تركيا عام 2016، تكتسب أهمية خاصة لفهم التحولات السياسية التي شهدتها تركيا، والوقوف على أسباب محاولة الانقلاب وأبرز احداثها ونتائجها، فضلاً عن تأثيرها في مستقبل النظام السياسي التركي وعلاقة الدولة بمؤسساتها العسكرية والأمنية؟
1-ان حزب العدالة والتنمية يسيطر على السلطة منذ عام (2000)، وأن الرئيس رجب طيب اردوغان يهمش المعارضة ويسعى الى بناء امبراطورية على شاكلة الدولة العثمانية ، ويرى بعض العسكريين ان هناك رؤيا لتحويل الدولة الى دينية واضعاف العلمانية.
2-لاشك ان حزب العدالة والتنمية على علاقة متوترة مع الجيش اذ يرى العسكريون الاتراك انهم من حموا الديمقراطية والعلمانية، وحاول الحزب منذ عام 2002، الى سيطرة الحكومة المدنية على الجيش، واعطت المحاكم المدنية دوراً اكبر من المحاكم العسكرية وأصبحت الحكومة هي التي تعين القادة العسكريين ، وحاول اضعاف قيادة الجيش عبر اصدار الحكومة لقرار فصل القيادة العامة للدرك او الجندرمة- قوة الشرطة الريفية شبه العسكرية في تركيا من هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية وضمها الى وزارة الداخلية، فقد كان القرار عبارة عن محاولة لتعبئة صفوف الدرك مع انصار حزب العدالة والتنمية لأحداث التوازن مع الجيش ، وخلال الأعوام بين (2008-2011)، جرت محاكمات منظمة (ايرجينيكون)، وهي منظمة سرية علمانية، وقد اسفرت المحاكمات عن احكام سجن مطولة لغالبية المتهمين، وفي عام (2010)، اعتقلت الشرطة التركية مئات من المسؤولين العسكريين ، منهم من يعمل بخدم الجيش ومنهم عسكريين سابقين ، المتهمين بالتآمر للإطاحة بحكومة رجب طيب اردوغان ، وراسلت المئات منهم الى المعتقلات .
3-بعد قرار رئيس الوزراء احمد داود اوغلو بالتنحي عن التنافس على السلطة ضد اردوغان بعد اجتماع الحزب الاستثنائي يوم (22 أيار 2016)، وعدم الترشح للمنصب مرة أخرى ، جعل منتقدي ارودغان يصفونه بانه (انقلاب القصر)، الذي شأنه ان يتيح للرئيس توطيد وتركيز سلطته.
4-على الرغم من تأكيده الى انه يسعى لحل القضية الكردية، الا ان المشكلات لازالت قائمة مع حزب العمال الكردستاني.
5-التدخل التركي في الشؤون الداخلية للبلدان المجاورة ، ولاسيما العراق وسوريا كان من الدوافع لانتقاد الشارع التركي له، ولاسيما ان تركيا حاولت إقامة منطقة عازلة في شمال سوريا.
6-موجة الانفجارات الإرهابية التي وقعت في انقرة وإسطنبول كانت من الدوافع محاولة الانقلاب على حزب العدالة والتنمية.
7-سعي اردوغان الى تغيير الدستور التركي ، وذلك ما يؤكد انه يسعى الى البقاء في السلطة اكبر مدة ممكنة ومخاوف الجيش من النظام الذي يعده اردوغان ، وفي أيلول من العام (2010)، اجرت الحكومة التركية، استفتاء على تعديل بعض بنود الدستور التركي القائم حالياً، والذي وصفه الرئيس اردوغان بدستور الانقلابيين، باعتبار أن من شرعه في عام (1982)، هم قادة الانقلاب العسكري الثالث بقيادة (كنعان ايفرين)، وتضمنت تلك التعديلات الدستورية جملة من التغييرات وهي تقليص سلطة العسكر، وهيئة الأركان، والمحاكم العسكرية، والقوى القومية التركية المتشددة على الحياة السياسية، والمدنية الاجتماعية، لصالح تمكين السلطة السياسية المدنية والمؤسسات المدنية للدولة، وعدم إمكانية مقاضاة المدنيين امام القضاء العسكري في غير زمن الحرب، وحصر مهام المحاكم العسكرية بالنظر في العمليات العسكرية والعسكريين، والاهم كان تعديل المادة (15) التي كانت تحصن الانقلابيين من المحاكمة، اذ تم تعديلها بأثر رجعي، الامر الذي أدى لمحاكمة قادة انقلاب 1980 في عام 2012، وقادة انقلاب 1997 في عام 2013.
8-العزلة الدولية والإقليمية التي باتت تعيشها تركيا مع ازدياد اعدائها بعد ازمة الطائرة الروسية التي تم اسقاطها في 5 تشرين الثاني 2015 ، واتهام الرئيس الروسي (بوتين )، تركيا بدعم الإرهاب فرض الرئيس الروسي (بوتين)، جملة من العقوبات الاقتصادية ضد تركيا وقطعت وزارة الدفاع الروسية كل الاتصالات العسكرية مع تركيا ، على الرغم من العلاقات المتطورة بين البلدين على المستوى الاقتصادي والسياسي، اذ بلغ حجم التبادل التجاري (44) مليار دولار عام 2014، وتدهور في العلاقة بينهما وبين الولايات المتحدة الامريكية بسبب تضارب وجهات النظر حول الازمة السورية بعد دعم الأخيرة للقوات الكردية في سوريا التي تعدها تركيا تهديداً فعلياً لأمنها القومي.
9-أزمات اقتصادية: كان لتوتر علاقات تركيا مع محيطها الإقليمي، ودخولها في صدامات دبلوماسية مع روسيا بعد اسقاطها لطائرة روسية على الحدود التركية السورية، وتعرضها لعقوبات روسية اثار صعبة على الاقتصاد التركي، من حيث تراجع السياحة والصادرات التركية وارتفاع نسبة التضخم الامر الذي انعكس على المستوى المعيشي للمواطن التركي.
10-النظام الرئاسي: طرح الرئيس التركي (رجب طيب اردوغان )، تحول النظام التركي الى نظام رئاسي، الامر الذي أدى الى تصاعد الأصوات المعارضة لهذا الطرح في الشارع التركي، انعكس ذلك في نتائج انتخابات حزيران 2015 والتي لم يتمكن فيها الحزب من الحصول على الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة بمفرده، حيث حاز على (41%)، من الأصوات فقط، وترافق ذلك بصعود نجم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وابرز المقترحات التي طرحها حزب العدالة والتنمية لتغيير النظام من برلماني الى رئاسي ووافق عليها البرلمان ان يكون عمر الرئيس (40) عام وحاصل على شهادة جامعية وتجري انتخابات الرئاسية والبرلمانية في يوم واحد وتكون مدتها خمسة لدورتين ، ويحق للرئيس أن يعين نوابه ويلغي مجلس الوزراء ويحق له أن يبقي في حزبه ولا يستقيل، كما في الدستور الحالي وسيجري الاستفتاء على التعديلات الدستورية في نيسان 2017، واذا تمت الموافقة ستكون الانتخابات في عام 2019 بناءاً على اقترح تطرحه الأغلبية المطلقة من اجمالي الأعضاء ويمكن التحقيق مع الرئيس.
ولاشك ان هناك أسباب كثيرة لعبت دوراً في فشل الانقلاب العسكري في تركيا ضد حكومة حزب العدالة والتنمية الذي يسيطر على السلطة منذ عام (2002)، على الرغم من سيطرة الانقلابيين على عدد من مؤسسات الدولة وإذاعة بيان الانقلاب ، ولاشك ان محدودية المحاولة الانقلابية اذ انها لم تتخطى إسطنبول وانقره ونزل عدد قليل من افراد الجيش الى الساحات والميادين ، فضلاً عن ان الرئيس ورئيس الوزراء بقوا احراراً ، كما انهم لم يستطيعوا إيقاف الاعلام الذي استخدمه الرئيس رجب طيب اردوغان للسيطرة على المحاولة الانقلابية ، ولاسيما الاعلام المعارض الذي سهل لاعضاء حزب العدالة والتنمية للظهور على القنوات التلفزيونية رافضين للانقلاب ، ولاسيما الرئيس السابق (عبد الله غول)، ورئيس الوزراء السابق ( احمد داود اوغلوا)، كما ان خروجه على القنوات التلفزيونية ودعوته الشعب للنزول الى الميادين لعبت دوراً اجهاض المحاولة الانقلابية ، وكان للجماهير دوراً في حماية مؤسسات الدولة في إسطنبول وانقرة ، مما افقد الانقلاب الحاضنة الداخلية ، كما ان كثير من قادة الجيش رفضوا الانقلاب وعارضوه وفشل قادة الانقلاب في الحصول على الدعم العسكري ، لا بل ان القوة الجوية قامت بقصف بعض الدبابات المشاركة في الانقلاب.