أقليات بلا تمثيل.. دكتاتورية الشاشة

التآخي – ناهي العامري

أقام منتدى بيتنا الثقافي ندوة بعنوان (أقليات بلا تمثيل.. دكتاتورية الشاشة) قدمها الدكتورة موج يوسف، ادارها الدكتور زهير البياتي، الذي جاء في مقدمته: ((ان العراق يضم عدد من المكونات الاصيلة، التي ساهمت منذ فجر التاريخ في بناء حضارة وادي الرافدين، ومع انهم جذور الارض وملحها، الا انهم أقصوا وابعدوا عنها، كالمسيحيين والكورد الفيليين والصابئة المندائيين والازيديين واليهود، وفضلهم كبير على العراق والعراقيين، اذ برز منهم نخب لا تحصى من مفكرين وعلماء في شتى المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والاكاديمية وغيرها، كتب عنهم الكثيرون، امثال زهير عبود وآخرين)).

بدأت موج محاضرتها عن مفهوم دكتاتورية الشاشة، وهو تسليط الدراما العراقية على مكون يشكل غالبية ، فاصبح نمط مكرر على الشاشة العراقية، فأصبحت لغته ولهجته نبرة راسخة في المسامع، وتساءلت يوسف: لماذا ظهر العراق بشخصية واحدة في المسلسلات الدرامية ، مثل الشخصية الجنوبية بأُطر مكررة بصفات (الساذج، الفقير، المتخلف، التبعي، الثائر، الفقير، في جغرافية واحدة، هي بغداد والريف الجنوبي) مع غياب ملحوظ للأقليات والمكونات العراقية الاخرى، كالمسيحيين والتركمان والصابئة والايزيدين والكورد، ولا نسمع غير اللهجة البغدادية والجنوبية على لسان الشخصيات،
ثم عرجت على الدول التي ارادت ان تظهر وجهها الأنيق، اذ وضعت ألونا متعددة على شاشاتها، ودعمت السينما بعشرات الافلام، المجتمعات البشرية التي تعرضت لأقصاء وتميز عنصري وعرقي، مثل معاناة السود من التميز الاجتماعي والسياسي، كذلك قضية الهنود الحمر، سكان امريكا الاصليون، والهولوكوست (محرقة هتلر لليهود) ، وكيف رسختها هوليود بعشرات الافلام بقصص متعددة. واضافت قائلة:

((ان هذا التغيب للمواطن الكوردي والتركماني والكلداني والسرياني والايزيدي والصابئي المندائي والآشوري من الدراما العراقية، ليس مجرد سقطة فنية عابرة، بل هو انتاج لآلية سلطوية تعيد انتاج الدكتاتورية بطريقة ناعمة وخفية، بمعنى انها تعيد انتاج الإقصاء الاجتماعي وليس السياسي، لان تلك المكونات مشاركة سياسيا، لكنها مغيبة اجتماعيا، وبالتالي سلب حقهم في المواطنة الثقافية، وتحويلهم الى غرباء في وعي المشاهد، بدلا من ذات اساسية من النسيج الوطني، وان استمرار دكتاتورية الشاشة في تغيب المواطن العراقي، يعمل على عزل المجتمع عن نفسه، وبهذا لا يرى المشاهد العراق كاملا، ولن يراه ممن هم خارج العراق، ما لم تحطم تلك المركزية الضيقة وتتحول الى أم يتسع رحمها وحضنها لكل اللغات والاديان والقوميات)).


بعد ذلك عرجت يوسف الى خطورة دكتاتورية الشاشة من وجهة نظر سوسيولوجيا، وقالت انها تكمن فيما تسميه بالإبادة الرمزية، اي الحكم على جماعة معينة بالعدم الجماعي ومسح وجودهم من الذاكرة، الامر الآخر (عراق من طرف واحد) على حساب الاطراف الاخرى، مما يجعل المعيار عندهم هو اللهجة والثقافة التي فرضتها الشاشة، هي المعيار للعراق الحقيقي، وتجبر باقي المكونات على استهلاك هوية المركز لضمان الاندماج، وهنا تفقد خصوصيتها الثقافية بالاندثار.

الخطر الثالث هو الاغتراب الاجتماعي، حين ترى المكونات نفسها خارج إطار الشاشة، وتكرار التنميط المركزي يصنع جدارا نفسيا بين المواطنين.

الخطر الرابع هو التخدير الايديولوجي، اي ان الدراما العراقية قدمت صورة عن المشكلات الاجتماعية، لكنها اخفت المظلوميات التاريخية، ولم تواجه المشكلات البنيوية ولم تضع علاجا لها، مما جعلها تعرض التسطيح الدرامي للمجتمع، وهذا الامر يصفه سوسيولوجو الفن بأنه سلوك التخدير الايديولوجي الذي يعرض تعايشا سطحيا ويخفي أزمات الثقة.

في خاتمة محاضرتها قالت: ((ان الدراما هي عصا موسى ، تستطيع بناء المواطنة ، عبر رفع الرقيب الأمني، وحل محله المنتج والمخطط الاستراتيجي)).

قد يعجبك ايضا