د.نورالدين خوشناو
في السادس عشر من آب، وفي مناسبة بلوغ الرئيس مسعود بارزاني عامه الثمانين، لا نحتفل فقط بعيد ميلاد قائد سياسي، بل نقف أمام مسيرة رجل ارتبط اسمه بتاريخ كوردستان، بالبيشمركة، بالشهداء، بالأنفال، بالجبل، بالنضال، وبحلم شعب دفع ثمناً باهظاً من أجل أن يعيش حراً مرفوع الرأس
ثمانون عاماً من العمر، وأكثر من ستة عقود في قلب النضال والعمل السياسي والقومي. وعندما أكتب عن الرئيس مسعود بارزاني، يصعب عليّ أن أكتب عنه بصفته شخصية سياسية فقط؛ لأنني تشرفت بلقائه شخصياً ثلاث مرات، وفي كل لقاء كنت أكتشف جانباً آخر من شخصية هذا الرجل
رجل شامخ كالجبال
هناك رجال نقرأ عنهم في الكتب، وهناك رجال نراهم في وسائل الإعلام، وهناك شخصيات عندما نجلس أمامها نشعر بأننا نجلس أمام جزء من التاريخ
هكذا كان شعوري في أول لقاء لي مع الرئيس مسعود بارزاني
أتذكر تلك اللحظة جيداً. عندما جلست أمام الرئيس مسعود بارزاني للمرة الأولى، امتلأت عيناي بالدموع. لم تكن دموع حزن، بل كانت مشاعر يصعب وصفها بالكلمات
قلت في داخلي: أنا لا أجلس فقط أمام رجل سياسي؛ أنا أجلس أمام رجل شامخ كالجبال، أمام تاريخ طويل من النضال، أمام ذاكرة البيشمركة والشهداء، وأمام شخصية حملت معها آلام شعب وآمال وطن
كان أمامي رجل مرّ بالجبل والثورة والحرب والمنفى، وعاش انتصارات كوردستان وانكساراتها، وشاهد دماء الشهداء والأنفال والقصف الكيميائي والتهجير، ثم عاش مرحلة بناء مؤسسات كوردستان ورفع رايتها أمام العالم
الرئيس مسعود بارزاني رجل شامخ كالجبال؛ قد تمر العواصف، لكن الجبل يبقى في مكانه
في كل لقاء ازداد حبي لكوردستان
تشرفت بلقاء الرئيس مسعود بارزاني ثلاث مرات، والغريب الجميل أنني بعد كل لقاء كنت أشعر بأن حبي لكوردستان أصبح أكبر
لم تكن المسألة مرتبطة بالكلمات وحدها، بل بطريقة حديث الرئيس مسعود بارزاني عن كوردستان. تشعر عندما تستمع إليه أن كوردستان بالنسبة إليه ليست شعاراً انتخابياً، وليست حدوداً على الخريطة، وليست مجرد حزب أو سلطة.
إنها وطن
وهذه من أكثر الأفكار التي بقيت في ذاكرتي من لقاءاتي مع الرئيس مسعود بارزاني كان يؤكد أن الحزب وسيلة، أما كوردستان فهي الوطن والغاية
قد تتغير الأحزاب، وقد تأتي الحكومات وتذهب، وقد تختلف البرامج والتحالفات، لكن كوردستان تبقى.
وهذه رسالة مهمة خصوصاً للأجيال الجديدة: لا ينبغي أن يصبح الحزب أكبر من الوطن، ولا أن يصبح الخلاف السياسي سبباً لتمزيق المجتمع. الأحزاب أدوات للعمل السياسي، أما الوطن فهو البيت الذي يجب أن يتسع للجميع.
وصية الرئيس مسعود بارزاني لنا في المهجر
ومن المواقف التي لا أنساها حديث الرئيس مسعود بارزاني معنا نحن الكورد الذين نعيش في المهجر قال لنا بمعنى الكلمات التي ما زالت راسخة في ذاكرتي،أعرف أن لديكم مشكلات وتحديات كثيرة في المهجر، ولكن الاستمرارية أساس النجاح. لا تيأسوا، ولا تفقدوا العزيمة.
كانت كلمات قليلة، لكنها تحمل فلسفة كاملة
فالنجاح لا يأتي دائماً من الانتصارات الكبيرة، بل من القدرة على الاستمرار عندمايصبح الطريق صعب.
ثم تحدث الرئيس مسعود بارزاني عن مسؤولية الكورد في الخارج، وكانت رسالته أعمق من مجرد الدفاع عن القضية الكوردية ،كان يؤكد ضرورة احترام قوانين الدول التي نعيش فيها، وأن نكون مواطنين صالحين ونموذجاً جيداً في مجتمعاتنا، وأن نمثل شعبنا وكوردستان بصورة حضارية ومحترمة.
هذه الرسالة بقيت معي
احترموا البلدان التي تعيشون فيها، احترموا قوانينها، اندمجوا وانجحوا وتعلموا واعملوا، ولكن لا تنسوا كوردستان،كونوا سفراء لكوردستان
كان الرئيس مسعود بارزاني يريد من الكوردي في المهجر ألا يكون مجرد شخص يعيش خارج وطنه، بل أن يكون سفيراً أخلاقياً وثقافياً لكوردستان.
عندما تكون طبيباً ناجحاً، أو باحثاً، أو أستاذاً، أو عاملاً مخلصاً، أو رجل أعمال ناجحاً، فأنت تقدم صورة عن شعبك
وعندما تحترم القانون والمجتمع الذي تعيش فيه، وتحترم ثقافات الآخرين، وفي الوقت نفسه تحافظ على لغتك وهويتك وتاريخك، فأنت تخدم كوردستان بطريقة ربما تكون أقوى من مئات الخطب
كان يريد منا أن نرفع اسم كوردستان في المحافل الدولية، ولكن بطريقة حضارية تليق بتضحيات شعبنا
لأن وراء كلمة كوردستان دماء شهداء
وراءها أمهات انتظرن أبناءهن ولم يعودوا.
وراءها مقابر جماعية
وراءها الأنفال وحلبجة والقرى المدمرة
وراءها آلاف البيشمركة الذين صعدوا إلى الجبال ولم يعرفوا إن كانوا سيعودون إلى عائلاتهم أم لا
ولهذا فإن اسم كوردستان ليس كلمة عادية
إنه أمانة
دماء الشهداء والأنفال أمانة في أعناقنا
من أكثر المعاني التي يجب أن نتذكرها ونحن نتحدث عن الرئيس مسعود بارزاني هي حضور الشهداء والبيشمركة في خطابه وذاكرته
فهو عندما يتحدث عن كوردستان، يعود دائماً إلى التضحيات
كوردستان التي نراها اليوم لم تأتِ مجاناً
كل مؤسسة، وكل جامعة، وكل طريق، وكل مطار، وكل علم كوردي يرفرف بحرية، وراءه تاريخ طويل من الدم والدموع والمقاومة.
والأنفال ليست صفحة نغلقها في كتاب التاريخ
وحلبجة ليست مجرد صورة نستذكرها مرة كل عام
ودماء الشهداء ليست مادة للخطب السياسية
إنها أمانة أخلاقية وتاريخية في أعناقنا جميعاً، وخصوصاً نحن أبناء كوردستان الذين نعيش في المهجر ونستطيع أن نوصل صوت شعبنا إلى العالم.
من البيشمركة إلى رجل الدولة
قصة الرئيس مسعود بارزاني لا يمكن فصلها عن البيشمركة
فالبيشمركة لم تكن بالنسبة إلى الرئيس مسعود بارزاني زياً عسكرياً أو مرحلة مؤقتة، بل مدرسة حياة من الجبل والثورة، إلى العمل السياسي، ومن ساحات القتال إلى لقاءات رؤساء الدول، قطع الرئيس مسعود بارزاني رحلة استثنائية في التاريخ السياسي الحديث،شهد مراحل كان فيها مجرد القول “أنا كوردي” يحمل ثمناً كبيراً.
شهد انهيار الثورات، والمنفى، والأنفال، وحلبجة، والانتفاضة، والحصار، والحرب الداخلية، وسقوط النظام العراقي السابق، وبناء العراق الجديد، وترسيخ التجربة الدستورية لإقليم كوردستان
ثم واجهت كوردستان واحداً من أخطر التهديدات عندما هاجم تنظيم داعش الإرهابي المنطقة، وعادت صورة الرئيس مسعود بارزاني بين البيشمركة وفي جبهات القتال لتذكر الجميع بأن الرجل الذي أصبح رئيساً لم ينسَ المدرسة الأولى التي خرج منها:مدرسة البيشمركة.
هيبة واحترام يتجاوزان الحدود
اليوم، عندما يستقبل الرئيس مسعود بارزاني رئيس دولة أو وزير خارجية أو سفيراً أو قائداً سياسياً دولياً، فإن الاحترام الذي يظهر في هذه اللقاءات لم يُبنَ في يوم واحد.
إنه حصيلة عقود من السياسة والنضال والعلاقات والتجارب
قد يختلف الناس مع الرئيس مسعود بارزاني سياسياً، وهذا حق طبيعي، لكن حتى الخصوم يدركون أنهم أمام واحد من أقدم وأثقل السياسيين الكورد والعراقيين حضوراً في المنطقة
وهنا تظهر الكاريزما الخاصة التي يمتلكها الرئيس مسعود بارزاني
لقد شعرت بها شخصياً في لقاءاتي معه
هناك هدوء في حضوره، وقوة في شخصيته، وشيء من هيبة الجبل في طريقة جلوسه وحديثه ونظرته
ليست كل الكاريزما صوتاً مرتفعاً.
أحياناً يكون الصمت نفسه حضوراً
الرئيس مسعود بارزاني ليس ملكاً لحزب وحده
بالنسبة إليّ، من الظلم اختصار الرئيس مسعود بارزاني في إطار حزبي ضيق
الحزب الديمقراطي الكوردستاني جزء أساسي من حياته السياسية، لكن تاريخ الرئيس مسعود بارزاني أصبح أكبر من حدود حزب
فهو اليوم جزء من الذاكرة السياسية والقومية لكوردستان
يمكن للإنسان أن يكون من الحزب الديمقراطي الكوردستاني أو من حركة أخرى، أو ألا ينتمي إلى أي حزب، ويظل قادراً على احترام التاريخ والتضحيات.
فالأوطان لا تُبنى بلون سياسي واحد
وكوردستان أكبر من جميع أحزابنا
وهذا بالضبط ما تعلمته من كلمات الرئيس مسعود بارزاني
الحزب وسيلة، أما كوردستان فهي الوطن
ثمانون عاماً… لكن الحكاية حكاية شعب
في عيد ميلاد الرئيس مسعود بارزاني الثمانين، لا أريد أن أكتب فقط
كل عام وأنت بخير
أريد أن أقول
شكراً لكل بيشمركة حمل السلاح دفاعاً عن كوردستان
الرحمة لكل شهيد سقط من أجل حرية هذا الشعب
الرحمة لضحايا الأنفال وحلبجة ولكل أم كوردية فقدت ابناً أو ابنة
والاحترام لكل من حافظ على قضية كوردستان عندما كان ثمن ذلك السجن أو المنفى أو الموت
وأقول لـ الرئيس مسعود بارزاني
في المرات الثلاث التي تشرفت فيها بلقائكم، لم أخرج فقط بصورة أو ذكرى، بل خرجت في كل مرة بحب أكبر لكوردستان، وإيمان أكبر بأن خدمة الوطن ليست مرتبطة بمنصب أو حزب، بل بالاستمرار والعمل وعدم اليأس
وفي اللقاء الأول تحديداً، عندما جلست أمامكم وامتلأت عيناي بالدموع، شعرت أنني أجلس أمام جبل من جبال كوردستان، وأمام صفحات حية من تاريخ شعبنا
الرئيس مسعود بارزاني، ثمانون عاماً من العمر، وعقود من النضال والبيشمركة والسياسة والدبلوماسية
ستختلف الأجيال حول القرارات السياسية، فهذا من طبيعة التاريخ والديمقراطية، لكن هناك أمراً لن يختلف عليه التاريخ بسهولة
أن اسم الرئيس مسعود بارزاني سيبقى مكتوباً في صفحات تاريخ كوردستان الحديث، إلى جانب البيشمركة والشهداء وكل الذين حملوا حلم شعب أراد أن يعيش بحرية وكرامة.
في عيد ميلادكم الثمانين، أتمنى لكم الصحة والعمر المديد
وأتمنى أن تبقى رسالتكم إلى أبناء كوردستان في المهجر حاضرة فينا
لا تيأسوا. لا تفقدوا العزيمة. استمروا. احترموا قوانين البلدان التي تعيشون فيها، كونوا نموذجاً مشرفاً لشعبكم، وكونوا سفراء لكوردستان في العالم
لأن الحزب وسيلة
أما كوردستان فهي الوطن
وستبقى دماء الشهداء والأنفال أمانة في أعناقنا، وسيبقى البيشمركة رمزاً للتضحية، وستبقى جبال كوردستان شاهدة على رجال مروا من هناك وتركوا أسماءهم في التاريخ
كل عام والرئيس مسعود بارزاني بخير
كل عام والبيشمركة مرفوعو الرأس
الخلود لشهداء كوردستان
وكل عام وكوردستان أقرب إلى السلام والوحدة والحرية