محمد علي محيي الدين
يُعد أحمد محمود الفخري (1863–1926) من الشخصيات العراقية التي جمعت بين القضاء والأدب والشعر، فكان واحداً من أعلام الموصل الذين أسهموا في الحياة العلمية والسياسية خلال مرحلة انتقالية شهدت أفول الدولة العثمانية وبزوغ الدولة العراقية الحديثة. وقد استطاع أن يوائم بين شخصية الفقيه والقاضي، وروح الشاعر والأديب، فترك أثراً في ميادين متعددة، وجسّد صورة المثقف الذي يرى في المعرفة مسؤولية، وفي الكلمة رسالة، وفي القضاء وسيلة لإقامة العدل.
وُلد أحمد بن السيد محمود بن السيد محمد أمين الفخري في مدينة الموصل سنة 1863م (1280هـ)، في أسرة اشتهرت بالعلم والفضل، فكان من الطبيعي أن يتجه منذ صغره إلى حلقات الدرس التي ازدهرت بها المدينة، وهي يومئذٍ إحدى أهم الحواضر العلمية في شمال العراق. وقد نشأ في بيئة جعلت من العلوم الشرعية واللغة العربية أساساً للتكوين، فبرزت موهبته مبكراً، وأظهر ميلاً واضحاً إلى الأدب والشعر إلى جانب اهتمامه بالعلوم الدينية.
تلقى علومه على يد نخبة من علماء عصره، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الوهاب الجوادي، الذي أخذ عنه التفسير والحديث، ونال منه الإجازة العلمية، ثم واصل تحصيله على يد والده السيد محمود الفخري، فدرس البيان والعروض وأصول البلاغة، حتى أصبح متمكناً من علوم العربية، وهو ما انعكس في شعره الذي اتسم بجزالة الأسلوب، وسلامة اللغة، وإحكام البناء، وجمع بين الثقافة الشرعية والذائقة الأدبية.
ولم يكن الفخري من أولئك الذين اكتفوا بالتدريس أو التأليف، بل انخرط في خدمة المجتمع من خلال القضاء، فعُيّن قاضياً في الموصل سنة 1918، وهو منصب تطلب منه الجمع بين المعرفة الفقهية والحكمة في الفصل بين الناس. وقد عُرف بالنزاهة وسعة الاطلاع، فكان من القضاة الذين نالوا احترام المجتمع، في مرحلة كانت البلاد تمر فيها بتحولات سياسية وإدارية عميقة.
ومع تأسيس الدولة العراقية الحديثة، انتقل عطاؤه إلى مستوى أوسع، إذ اختير وزيراً للعدلية في وزارة جعفر العسكري، ليشارك في بناء المؤسسات القانونية للدولة الناشئة. ولم يكن اختياره لهذا المنصب مصادفة، بل جاء نتيجة لما عُرف عنه من خبرة في القضاء ورصانة في الرأي، فضلاً عن ثقافته الواسعة التي مكنته من التعامل مع متطلبات مرحلة كانت تبحث عن التوازن بين الإرث القضائي الإسلامي ومقتضيات الدولة الحديثة.
كما انتُخب عضواً في المجلس التأسيسي العراقي سنة 1924، وهو المجلس الذي اضطلع بمهمة تاريخية تمثلت في وضع اللبنات الأولى للنظام الدستوري في العراق. ومن خلال مشاركته في هذا المجلس، أسهم الفخري في واحدة من أهم المحطات السياسية في تاريخ البلاد، مؤكداً أن رجل الأدب والعلم قادر أيضاً على الإسهام في صناعة القرار وبناء الدولة.
ورغم مسؤولياته القضائية والسياسية، ظل الأدب حاضراً في حياته، فكان شاعراً مجيداً حافظ على تقاليد القصيدة العربية الكلاسيكية، معبراً عن قضايا عصره بلغة رصينة وصور شعرية متينة. وقد امتازت قصائده بجزالة اللفظ، وقوة السبك، واستلهام التراث العربي، إلى جانب اهتمامه بالحكمة والتأمل والموضوعات الاجتماعية والوطنية، مما جعله يحظى بتقدير معاصريه، وإن لم ينل شعره ما يستحقه من انتشار في حياته.
ولم يُطبع ديوانه كاملاً، إذ بقي مخطوطاً محفوظاً لدى أسرة الفخري، وهو ما حرم الدارسين من الاطلاع على جانب مهم من تجربته الشعرية. ومع ذلك، يشير الأديب مير بصري إلى أن السيد علي العلوي جمع ما تناثر من شعره، فبلغ نحو 2420 بيتاً، وهو رقم يكشف عن غزارة إنتاجه، ويدل على أن الشعر كان ركناً أصيلاً في شخصيته، لا نشاطاً عارضاً إلى جانب القضاء والسياسة.
إن تجربة أحمد محمود الفخري تكشف عن صورة المثقف العراقي في مطلع القرن العشرين، حين كانت المعرفة تتخذ أشكالاً متكاملة، فلا تعارض بين الفقه والأدب، ولا بين القضاء والشعر، ولا بين العمل الرسمي والإبداع. وقد أسهمت هذه الشخصية الموسوعية في إثراء الحياة الثقافية والسياسية في العراق، وخصوصاً في الموصل التي ظلت تفتخر بأعلامها من العلماء والأدباء.
توفي أحمد محمود الفخري سنة 1926، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، تاركاً إرثاً علمياً وأدبياً وسياسياً يعكس مرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث. وبرحيله فقدت الموصل واحداً من رجالاتها الذين جمعوا بين أصالة التراث وروح الدولة الحديثة، غير أن آثاره بقيت حاضرة في الذاكرة الثقافية، شاهدة على دور جيل من العلماء والأدباء الذين أسهموا في بناء الوطن بالكلمة والقانون معاً.
وقد استندت هذه السيرة إلى ما أورده عمر محمد الطالب في كتابه «أعلام الموصل في القرن العشرين»، وإلى ترجمة أحمد محمود الفخري في معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، فضلاً عما ذكره مير بصري بشأن جمع شعره، وهي مصادر ترسم صورة متكاملة لحياته وإسهاماته الأدبية والعلمية والسياسية.