الحزب الديمقراطي الكوردستاني في عامه الثمانين، من إرث الثورة إلى مسؤولية بناء المستقبل
جواد ملكشاهي
ثمانون عاماً من النضال، وثمانون عاماً من التحولات، وثمانون عاماً من الحضور في تاريخ كوردستان والعراق
عندما يحتفل الحزب الديمقراطي الكوردستاني بذكرى تأسيسه الثمانين في عام 2026، فإن المناسبة لا تمثل مجرد احتفال بمرور ثمانية عقود على ولادة حزب سياسي، وإنما تستدعي قراءة مرحلة طويلة من التاريخ الكوردي الحديث؛ مرحلة تداخلت فيها الثورة بالسياسة، والمقاومة بالدبلوماسية، والحقوق القومية بالصراع على شكل الدولة العراقية ومستقبلها.
فالحزب الذي تأسس في 16 آب 1946 بقيادة الأب الروحي (ملا مصطفى بارزاني) في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة وتجربة جمهورية كوردستان في مهاباد، كان منذ البداية تعبيراً عن حاجة سياسية إلى تنظيم الحركة القومية الكوردية في كوردستان العراق ومنحها إطاراً مؤسسياً وبرنامجا ًسياسياً. إذ عقد الحزب مؤتمره الأول بصورة سرية في بغداد في 16 آب 1946، بمشاركة نحو سبعين عضواً، وانتُخب البارزاني الخالد رئيساً للحزب.
جاء ذلك في العام نفسه الذي شهد تأسيس جمهورية كوردستان في مهاباد في كانون الثاني1946، ثم انهيارها في كانون الأول من العام ذاته بعد تغيُّر الموقف السوفيتي وتقدم القوات الإيرانية. ومن ثم فإن تجربة مهاباد وما رافقها من صعود وانهيار تركت أثراً عميقاً في الوعي السياسي للحركة الكوردية، وأصبحت من الخلفيات التاريخية التي لا يمكن فصل نشأة الحركة السياسية الكوردية الحديثة عنها.
أولاً: لماذا كان تأسيس الحزب ضرورة تاريخية؟
لفهم دوافع تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ينبغي العودة إلى الظروف التي عاشها الشعب الكوردي في العراق لاسيما في النصف الأول من القرن العشرين، فبعد انهيار الدولة العثمانية وإعادة رسم حدود المنطقة، وجد الكورد أنفسهم موزعين بين دول عدة، من دون أن تتحقق لهم دولة قومية أو صيغة سياسية مستقرة تضمن حقوقهم القومية.
وفي العراق، كانت العلاقة بين الحركة الكوردية والحكومات المتعاقبة علاقة مضطربة. فقد شهدت المناطق الكوردية ثورات وانتفاضات متعددة، إلا أن غياب التنظيم السياسي المركزي القادر على جمع أغلب الطاقات كان أحد أبرز نقاط الضعف، وفي هذه البيئة ظهرت شخصية القائد القومي الكبير مصطفى البارزاني بوصفها إحدى الشخصيات المحورية في الحركة القومية الكوردية.
جاءت تجربة مهاباد لتضيف بُعداً جديداً إلى الوعي السياسي الكوردي. فقيام جمهورية كوردستان في مهاباد مثّل تجربة سياسية غير مسبوقة في تاريخ الكورد الحديث، حتى وإن كانت قصيرة العمر. وكانت مشاركة البارزاني في تلك التجربة، ودوره العسكري فيها، عاملاً مهماً في تطور الحركة السياسية الكوردية في العراق، وعندما تغيرت المعادلات الدولية وانهارت جمهورية مهاباد، لم تنته ِالقضية التي مثلتها التجربة. بل انتقلت إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. وهنا تكمن أهمية تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي لم يكن مشروعه مجرد رد فعل على حدث عابر، بل محاولة لتحويل التجربة القومية إلى تنظيم سياسي قادر على الاستمرار وعلى تغير الأنظمة والظروف.
ثانياً: من إنتكاسة مهاباد إلى بناء حركة سياسية مستقلة
كان انهيار جمهورية مهاباد في نهاية عام 1946 نقطة تحوّل كبيرة، فقد عاد الصراع الكوردي إلى مرحلة أكثر صعوبة، وتعرضت القيادات الكوردية للملاحقة والقمع، بينما اضطر البارزاني ورفاقه البيشمركة إلى مغادرة إيران والتوجه نحو الاتحاد السوفيتي.
لكن التجربة تركت درساً أساسياً إذ لا يمكن للحركة الكوردية أن تعتمد بصورة دائمة على دعم قوة إقليمية أو دولية، لأن مصالح الدول تتغير، والتحالفات الدولية لا تقوم دائماً على أساس مصالح الشعوب الصغيرة. وكان هذا الدرس حاضراً بقوة في المراحل اللاحقة من تاريخ الحزب، فمنذ تأسيسه، دخل الحزب في مواجهة مع واقع سياسي عراقي شديد المركزية، وكانت القضية الكوردية تواجه الرفض والمماطلة والقمع العسكري في أوقات متباينة.
ومع عودة البارزاني الخالد إلى العراق بعد ثورة 14 تموز 1958، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الكوردية، وصولاً إلى ثورة أيلول عام 1961، التي أصبحت واحدة من أطول وأهم مراحل النضال الكوردي في العراق.
ثالثاً: ثورة أيلول واتفاق 11 آذار
شكلت ثورة أيلول اختباراً تاريخياً لقدرة الحزب على تنظيم المقاومة والاستمرار في ظروف عسكرية وسياسية صعبة، ولم يكن الصراع عسكرياً فقط، بل كان صراعاً سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. فقد كان على القيادة الكوردية أن تدير علاقاتها مع بغداد ومع الدول المجاورة والقوى الدولية، في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
وفي 11 آذار 1970 تم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة العراقية وقيادة الحركة الكوردية، وهو اتفاق تاريخي حين اعترفت الحكومة رسمياً بالقومية الكوردية وبعدد من الحقوق القومية، ونص القرار على ترتيبات للحكم الذاتي والمشاركة السياسية، لكن عدم تنفيذ الاتفاقية بصورة كاملة من قبل الحكومة في تلك الأيام أدى إلى عودة التوتر، وانتهت المرحلة إلى تجدد القتال عام 1974،وهناظهر أحد أهم الدروس في تاريخ الحركة الكوردية وهو أن تحقيق الاتفاق السياسي لا يكفي ما لم توجد ضمانات مؤسسية ودستورية وآليات واضحة لتنفيذه.
رابعاً: انتكاسة 1975 والدرس الأكثر قسوة
كان عام 1975 من أصعب الأعوام في تاريخ الحزب والحركة الكوردية، فقد أدى اتفاق الجزائر بين العراق وإيران إلى توقف الدعم الإيراني للحركة الكوردية، الأمر الذي أدى إلى انهيار الثورة المسلحة، وكانت تلك اللحظة صدمة كبيرة للأمة الكوردية، لكنها في الوقت نفسه أنتجت مراجعة عميقة للاستراتيجية السياسية، فالاعتماد على التحالفات الخارجية، مهما كانت ضرورية في ظروف معينة، لا يمكن أن تكون بديلاً عن بناء قوة سياسية ومجتمعية ومؤسساتية داخلية، ومن رحم تلك المرحلة بدأت عملية إعادة تنظيم الحزب والحركة الكوردية، وانتقلت القيادة تدريجياً إلى مرحلة جديدة كان فيها التركيز على إعادة بناء التنظيم، والحفاظ على القضية، وإعداد جيل جديد من القيادات والكوادر.

خامساً: سنوات النظام البعثي… من المقاومة إلى مواجهة الإبادة
كان صعود نظام البعث، ولا سيما بعد استيلاء صدام حسين على السلطة، بداية مرحلة شديدة القسوة بالنسبة إلى الشعب الكوردي، فقد شهدت كوردستان سياسات التعريب والتهجير وتغيير التركيبة السكانية، ثم بلغت المأساة ذروتها في حملات تهجير الكورد الفيليين وانفال البارزانيين وعمليات الأنفال الكبرى في معظم مناطق كوردستان فضلًا عن استخدام الأسلحة الكيماوية المحرّمة دوليًا في مدينة حلبجة وقبلها في قرى وادي باليسان، وفي تلك المرحلة لم يعد الصراع يتعلق فقط بالحقوق السياسية والإدارية، بل أصبح صراعاً على الوجود والهوية والبقاء.
واجه الحزب تحديات هائلة، من بينها القوة العسكرية للنظام العراقي، والحدود المغلقة، والتدخلات الإقليمية، والانقسامات الداخلية، والضغوط الدولية، ومع ذلك تمكن الحزب من الحفاظ على وجوده وتنظيمه وقواعده الاجتماعية، وهنا تكمن إحدى أهم نقاط تفسير استمرار الحزب بدوره طوال ثمانية عقود، فقد استطاع إعادة إنتاج نفسه تنظيمياً وسياسياً بعد كل انتكاسة.
سادساً: انتفاضة ربيع 1991… الانتقال من الثورة إلى المؤسسة
جاءت انتفاضة آذار 1991 لتفتح صفحة جديدة تماماً، فبعد حرب الخليج الثانية وضعف النظام العراقي، انتفض شعب كوردستان في أغلب المدن والمناطق، وانسحبت مؤسسات النظام من أجزاء واسعة من كوردستان، ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة مغايرة، لم يعد المطلوب فقط مقاومة السلطة المركزية، بل أصبح المطلوب إدارة الأرض وبناء المؤسسات وتقديم الخدمات وتنظيم الحياة السياسية.
وفي عام 1992 أجريت أول انتخابات برلمانية في إقليم كوردستان، واستُحدثت المؤسسات السياسية الجديدة. وكان ذلك انتقالاً تاريخياً من مرحلة الثورة المسلحة إلى مرحلة الحكم والمؤسسات، وقد كان هذا التحول واحداً من أكبر الاختبارات في تاريخ الحزب. فالحزب الذي اعتاد العمل في الجبال وفي ظروف الثورة أصبح مطالباً بإدارة المدن، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والأمن، والعلاقات الخارجية. وهنا بدأت معادلة جديدة، وهي أن شرعية الثورة يجب أن تتحول إلى شرعية الإنجاز.
سابعاً: الدور القومي في أجزاء كوردستان الأخرى
منذ نشأته، لم ينظر الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى القضية الكوردية بوصفها قضية محلية محصورة داخل حدود العراق، فالتقسيم السياسي لكوردستان بين أربع دول جعل القضية ذات طبيعة إقليمية، وأوجد روابط قومية وثقافية وسياسية بين أجزاء كوردستان الأربعة.
لعب الحزب، ولاسيما من خلال قياداته التاريخية، دوراً في دعم الحركات والقوى الكوردية في الأجزاء الأخرى سياسياً ومعنوياً، وفي إبقاء القضية الكوردية حاضرة في النقاش الإقليمي والدولي، لكن التطور الأهم في هذا السياق هو أن الحزب تعامل، في مراحل متعددة، مع خصوصية كل جزء من أجزاء كوردستان، لأن الظروف السياسية والقانونية لكل جزء تختلف عن الآخر، ومن هنا فإن الدعم القومي لا يعني بالضرورة توحيد البرامج السياسية، وإنما يعني الدفاع عن الحقوق القومية المشروعة، ورفض سياسات الإنكار والقمع، وتشجيع الحوار والتضامن بين الكورد.
ثامناً: بعد 2003… من المعارضة إلى شراكة بناء العراق
كان سقوط النظام البعثي عام 2003 نقطة تحول ليس للحزب وحده، وإنما للعراق والمنطقة والتوازنات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط برمته، فبعد عقود من الصراع، وجد الحزب نفسه أمام مسؤولية المشاركة في بناء دولة عراقية جديدة، وكان التحدي الأساسي هو ضمان ألا يعود العراق إلى نظام مركزي استبدادي يعيد إنتاج الماضي، بل أن يصبح العراق دولة اتحادية ديمقراطية تحترم التعدد القومي والديني والسياسي، وقد ساهمت القوى السياسية الكوردية في صياغة النظام الدستوري الجديد، حيث تمَّ إقرار دستور 2005 الاعتراف بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة بوصفه إقليماً دستوريًا اتحادياً، وهذا الإنجاز الدستوري يمثل واحدة من أهم نتائج النضال السياسي الكوردستاني في العراق، فما كان قبل عقود مطلباً سياسياً أصبح للمرة الأولى جزءاً من البناء الدستوري للدولة العراقية، وقد شارك الحزب منذ 2003 بصورة مؤثرة في العملية السياسية العراقية، وفي تشكيل الحكومات والبرلمان والمؤسسات الدستورية، وأصبح لاعباً رئيساً في معادلة الحكم العراقية فضلًا عن دوره في معالجة بعض المشاكل مع الدول في المنطقة وبناء علاقات وطيدة مع دول الخليج والشرق الأوسط والعالم بشكل عام.
وهنا تغيرت طبيعة المسؤولية.
ففي السابق كان المطلوب مقاومة الدولة المركزية؛ أما بعد 2003 فأصبح المطلوب المساهمة في بناء دولة عراقية ديمقراطية اتحادية، وفي الوقت نفسه حماية حقوق إقليم كوردستان.

تاسعاً: لماذا يحظى الحزب بهذا الحجم من الدعم الجماهيري؟
لا يمكن تفسير القوة الانتخابية للحزب بعامل واحد، هناك أولاً العامل التاريخي؛ فالحزب مرتبط في الذاكرة الجماعية بمراحل طويلة من النضال والثورة والتضحيات، وهناك العامل الرمزي المرتبط بشخصية الأب الروحي البارزاني الخالد وإرث الحركة البارزانية، ثم القيادة السياسية التي جاءت بعده والمتمثلة بالرئيس مسعود بارزاني ، وهناك أيضاً عامل التنظيم؛ فالحزب يمتلك شبكة تنظيمية واجتماعية واسعة ومتجذرة، جعلته قادراً على الوصول إلى قطاعات كبيرة من المجتمع.
كما أن أداء الحزب في إدارة إقليم كوردستان، وما رافقه من تحقيق مستويات من الأمن والاستقرار مقارنة بمراحل الحرب السابقة، أسهم في الحفاظ على جزء مهم من قاعدته الشعبية، لكن الأهم أن الانتخابات بالنسبة إلى قطاع واسع من الناخبين الكورد ليست مجرد منافسة على الخدمات والمناصب، بل ترتبط أيضاً بالسؤال القومي: من هو الطرف الأكثر قدرة على حماية المصالح السياسية والدستورية والقومية والحفاظ على كيان إقليم كوردستان؟
وقد ظهر ذلك بوضوح في الانتخابات البرلمانية لإقليم كوردستان عام 2024، حين حصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على 686,070 صوتاًو45 مقعداً، متقدماً على القوى السياسية الأٌخرى، وفي الانتخابات البرلمانية العراقية عام 2025، حصل الحزب على نحو 1.1 مليون صوت، وفاز بـ27 مقعداً وفق النتائج النهائية المصادق عليها، وهذه النتيجة مهمة ليس فقط من الناحية العددية، وإنما لأنها تؤكد أن الحزب استطاع الحفاظ على مكانته كأحد أكبر الأحزاب العراقية من حيث عدد الأصوات، رغم الضغوطات الهائلة التي مارستها الحكومة في بغداد على حكومة الاقليم التي يترأسها قيادي في الحزب، من قطع رواتب الموظفين وتوقف تصدير النفط الى تركيا لأكثر من ثلاث سنوات وقصف البنى التحتية ومصادر الطاقة من قبل الميليشيات التي تحصل على الاموال والسلاح من المنظومة الدفاعية الإتحادية بوسائل ملتوية وغيرها من الامور الكثيرة لا يمكن ذكرها بالتفصيل، لكن الشعبية الكبيرة للحزب بقت بل ازدادت اكثر من السابق، وهذا بدوره، يخلق مسؤولية أكبر، فكلما اتسعت قاعدة الحزب الانتخابية، ارتفع سقف توقعات المواطنين منه.
عاشراً: القوة الانتخابية ليست نهاية الطريق
إن حصول الحزب على أكثر من مليون ومائة الف صوت في الانتخابات الاتحادية الأخيرة، يمثل نجاحاً سياسياً مهماً، لكنه يجب أن يُقرأ أيضاً بوصفه رسالة من الناخبين، فالناخب الذي يمنح صوته لحزب بهذا الحجم ينتظر منه نتائج ملموسة منها:
* حماية الحقوق الدستورية لكوردستان.
* تحسين مستوى المعيشة.
* توفير فرص العمل.
* مكافحة الفساد.
* إصلاح الإدارة.
* تعزيز سيادة القانون.
* تطوير التعليم والصحة.
* حماية الحريات.
* توحيد المؤسسات.
* معالجة المشاكل الاقتصادية.
* تعزيز مكانة كوردستان داخل العراق والمنطقة.
وبذلك فإن السؤال الحقيقي والأكثر الحاحًا ليس: لماذا فاز الحزب؟ بل السؤال الأهم هو: كيف يحافظ الحزب على ثقة الناخب ويحولها إلى مشروع سياسي وتنموي طويل الأمد؟
حادي عشر: الوحدة الوطنية الكوردستانية… المهمة الأكثر إلحاحاً
بعد ثمانية عقود من الصراع مع الأنظمة العراقية، أصبح من الضروري أن تدرك القوى السياسية الكوردستانية أن أكبر تهديد للمشروع السياسي الكوردي قد لا يأتي دائماً من الخارج، فالانقسام الداخلي يضعف الموقف الكوردي في بغداد، ويضعف المؤسسات، ويخلق ازدواجية في القرار، ويؤثر في الاقتصاد والأمن، ولهذا فإن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بوصفه القوة السياسية الأكبر في الإقليم، يتحمل مسؤولية خاصة في المبادرة إلى بناء تفاهم وطني كوردستاني واسع، ومن هنا ينبغي الفصل بين المنافسة الانتخابية وبين مؤسسات الإقليم، بحيث تبقى الحكومة والبرلمان والقضاء والأجهزة الأمنية مؤسسات لجميع المواطنين، ومن اجل هذا قدم الحزب تنازلات كبيرة للقوى السياسية الكوردستانية الاخرى المشاركة في العملية السياسية والتي حصلت على نسبة اصوات اقل منه، ومنحتهم من المناصب والامتيازات اكثر بكثير من استحقاقهم الإنتخابي، ورغم ذلك كله، ما يزال بعض من تلك القوى يضع العصي في مسيرة تفعيل البرلمان وتشكيل الحكومة الجديدة، دون الإكتراث الى العواقب الوخيمة والأخطار المحدقة جراء هذا الموقف الذي يهدد كيان اقليم كوردستان ومؤسساته القانونية والدستورية فضلًا عن المكتسبات التي نالها شعبنا في الإقليم بعد عقود من النضال والتضحيات الجسام.
ثاني عشر: توحيد البيشمركة والمؤسسات الأمنية
لا يمكن الحديث عن دولة مستقرة من دون مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة، وقد أثبتت التجارب، ولا سيما خلال الحرب ضد تنظيم داعش، أن قوات البيشمركة كانت عاملاً أساسياً في الدفاع عن كوردستان وفي مواجهة الإرهاب، لكن المرحلة الجديدة تتطلب الانتقال من واقع التشكيلات الحزبية إلى مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، إن توحيد البيشمركة ليس مجرد مطلب إداري، بل مشروع استراتيجي يتعلق بمستقبل كوردستان، فقوة الإقليم في بغداد وفي علاقاته الدولية تبدأ من قوة مؤسساته الداخلية.
ثالث عشر: الاقتصاد… التحدي الذي سيحدد مستقبل كوردستان
كان الاقتصاد في العقود الماضية مرتبطاً بدرجة كبيرة بإيرادات النفط والتحويلات والعلاقات المالية مع بغداد، لكن المستقبل يتطلب إنموذجاً أكثر تنوعاً، كوردستان بحاجة إلى اقتصاد إنتاجي لاريعي وهذا الأمر البالغ الحساسية ويتطلب الإهتمام الجاد والحقيقي للقطاعات الآتية:
* الزراعة والصناعات الغذائية.
* السياحة.
* الصناعات المحلية.
* الطاقة المتجددة.
* التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
* التعليم المهني.
* الخدمات الصحية والتعليمية.
* القطاع الخاص.
* المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
كما أن جذب الاستثمار يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، وقضاء فعال، ونظام مصرفي حديث، وإجراءات إدارية أقل تعقيداً، والهدف النهائي يجب ألا يكون فقط زيادة الإيرادات الحكومية، وإنما خلق فرص عمل مستدامة للشباب.

رابع عشر: العلاقة مع بغداد… من إدارة الأزمات إلى شراكة دستورية
أحد أهم الملفات التي سيواجهها الحزب خلال العقد التاسع من عمره هو مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد، فالخلافات المتعلقة بالميزانية والرواتب والنفط والغاز والمناطق المتنازع عليها لا يمكن أن تبقى في إطار الأزمات المتكررة، والحل يكمن في العودة المستمرة إلى الدستور بوصفه المرجعية المشتركة، إذ اعترف الدستور العراقي بإقليم كوردستان إقليماً اتحادياً، وأقر وجود سلطاته القائمة، وهذا يشكل أساساً دستورياً ينبغي البناء عليه، ومن مصلحة الحزب أن يعمل على تحويل العلاقة مع بغداد من علاقة تفاوض موسمي إلى شراكة مؤسساتية مستقرة، كما ينبغي أن يكون الحزب جزءاً من مشروع إصلاح الدولة العراقية نفسها؛ لأن استقرار العراق هو في النهاية مصلحة مباشرة لكوردستان.
خامس عشر: الحزب والعراق الجديد
إن الدور الذي لعبه الحزب بعد 2003 يجب ألا يُقاس فقط بعدد المناصب التي حصل عليها في بغداد، القيمة الحقيقية لدوره تكمن في مساهمته في صياغة عراق جديد يقوم على التعددية والاتحادية والديمقراطية، والتحدي المقبل هو أن يصبح الحزب أكثر حضوراً في النقاش الوطني العراقي لاسيما ما يخص الاقتصاد والإصلاح الإداري والأمن والعلاقات الخارجية وبناء الدولة، فالقضية الكوردية لا يمكن فصلها عن مستقبل العراق، إذا كان العراق مستقرا ًوديمقراطياً واتحادياً، فإن ذلك يعزز مكانة كوردستان، أما إذا عاد العراق إلى المركزية والاستبداد والانقسام، فإن كوردستان ستكون من أكثر المتضررين، لذلك فإن الدفاع عن كوردستان يمر، في أحد جوانبه، عبر المساهمة في بناء عراق قوي ومستقر.
سادس عشر: من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة
ربما يكون هذا هو التحول الأهم الذي ينبغي أن يحدد مسار الحزب في عقده التاسع، فالحزب بدأ بوصفه حركة قومية في ظروف سياسية قاسية، ثم أصبح حزباً للثورة والمقاومة، وبعد ذلك أصبح حزباً مشاركاً في إدارة الإقليم، ثم لاعباً رئيسياً في النظام السياسي العراقي، واليوم يحتاج إلى استكمال التحول، من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة، ومن شرعية التاريخ إلى شرعية الإنجاز.
وهذا لا يعني التخلي عن التاريخ أو إرث البارزاني الخالد، بل يعني الحفاظ عليه عن طريق بناء مؤسسات تستحق التضحيات التي قدمتها الأجيال السابقة، فأفضل تكريم للشهداء ليس فقط إحياء ذكراهم، وإنما بناء مجتمع آمن ومزدهر يستطيع أبناؤه أن يعيشوا بكرامة.
سابع عشر: ماذا ينتظر المواطن الكوردي من الحزب في عقده التاسع؟
ينتظر منه أن يكون حزباً يقود الإصلاح، لا حزب اًيدير الواقع فقط، وينتظر منه أن يدافع عن الحقوق القومية، وفي الوقت نفسه أن يحمي حقوق المواطن الفرد، وينتظر منه أن يحافظ على الأمن، ولكن مع احترام القانون والحريات، وينتظر منه أن يدعم الاقتصاد، ولكن مع عدالة أكبر في توزيع الفرص، وينتظر منه أن يحافظ على علاقاته الإقليمية والدولية، ولكن مع قرار وطني مستقل، وينتظر منه أن يكون قوياً في بغداد، ولكن من خلال المؤسسات الدستورية، وينتظر منه أن يكون قوياً في كوردستان، ولكن من خلال الوحدة والشراكة، وهنا تتحدد معادلة المرحلة المقبلة، وهي أن قوة الحزب يجب أن تتحول إلى قوة للمؤسسات، وقوة المؤسسات يجب أن تتحول إلى قوة للمجتمع.
الخاتمة: ثمانون عاماً… والمستقبل هو الاختبار الحقيقي
ثمانون عاماً من عمر الحزب الديمقراطي الكوردستاني تعني أن الحزب أصبح جزءاً من التاريخ السياسي لكوردستان والعراق والمنطقة، وأن كثيراً من التحولات التي شهدتها المنطقة لا يمكن قراءتها بصورة كاملة من دون التوقف عند دوره، من تجربة مهاباد وثورة أيلول، إلى اتفاق 11 آذار، ومن انتكاسة 1975 إلى سنوات الأنفال وحلبجة، ومن انتفاضة 1991 إلى بناء مؤسسات الإقليم، ومن إسقاط النظام البعثي إلى كتابة الدستور العراقي والمشاركة في العملية السياسية، إذ مر الحزب بمراحل جعلته أكثر من مجرد حزب سياسي، لكنه في الوقت نفسه يقف اليوم أمام مرحلة متباينة.
فالجيل الذي عايش الثورات والحروب يتراجع تدريجياً، فيما يتقدم جيل جديد لم يعش الجبل ولا الأنفال ولا الانتفاضات، وإنما يعرف كوردستان عن طريق الجامعة والهاتف والإنترنت وسوق العمل ومستقبل الأسرة، وهذا الجيل لا يسأل فقط عن الماضي، إنه يسأل عن المستقبل، يسأل عن الوظيفة، والتعليم، والسكن، والاقتصاد، والعدالة، والحرية، والأمن، والعلاقات مع بغداد، ومكانة كوردستان في العالم.
ولهذا فإن الذكرى الثمانين ينبغي ألا تكون مجرد مناسبة لاستعادة الماضي، بل فرصة لإطلاق مرحلة جديدة، يكون عنوانها الوحدة الوطنية، دولة المؤسسات، الاقتصاد المنتج، الديمقراطية، وسيادة القانون.
إذا استطاع الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن يحول إرث ثمانين عاماً من النضال إلى مشروع سياسي وتنموي للمستقبل، وأن يجمع بين الحفاظ على الهوية القومية والانفتاح الديمقراطي، وبين قوة الموقف السياسي واحترام التعددية، وبين الدفاع عن حقوق كوردستان والمساهمة في بناء عراق مستقر واتحادي، فإنه سيكون قد قدم للجيل المقبل أعظم خدمة يمكن أن يقدمها حزب حمل القضية الكوردية طوال عقود.
إن التاريخ يمنح الحزب مكانته، لكن المستقبل لن يمنحه مكانته إلا بالإنجاز، ولهذا فإن السؤال في الذكرى الثمانين ليس ماذا أنجز الحزب في ثمانين عاماً فحسب، وإنما، ماذا سيفعل في الثمانين عاماً المقبلة؟
وهنا تبدأ مسؤولية التاريخ الجديد.