القسم الثاني
د. مؤيد الونداوي
معارك الشيخ احمد البارزاني والقصف الجوي للطائرات البريطانية على قواته.كيف تم اطلاق سراح الاسرى الانكليز..اليكم التفاصيل
صحيفة التايمز – لندن
20 حزيران 1932
المتمردون الأكراد
حرب في الجبال
مجلس في كهف
من مراسل خاص
خلال الشهرين والنصف الأخيرين، كان الجيش العراقي وسلاح الجو الملكي يخوضان حربا صغيرة، لكنها مثيرة للاهتمام، في واحدة من أشد مناطق العالم وعورة، وهي المنطقة الجبلية الممتدة على الحدود التركية، التي تشكل جزءا مما يعرف بصورة عامة باسم كردستان.
في السابق، كانت هذه المنطقة الجبلية كلها تقريبا مقسمة بين زعماء القبائل، وكان كل واحد منهم يحكم إقليما صغيرا لا يخضع إلا لسيطرة اسمية للغاية من جانب الإمبراطوريات المحيطة بهم. أما في التقسيم السياسي الحديث، فقد اقتسمت تركيا وبلاد فارس والعراق جبال كردستان فيما بينها. وقد بلغت حكومات هذه البلدان الآن مرحلة من التطور أصبحت فيها مثل هذه المناطق التي بقي فيها النظام الإقطاعي تعد وصمة في نمط الحضارة الآخذ في الانتشار والتوحد. وكان شاه بلاد فارس يعمل على إخضاع لورستان في الجنوب، حيث استمر القتال بصورة متقطعة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

وقد انتهت آخر مقاومة لسلطة بغداد في أقصى جنوب كردستان في العام الماضي، باستسلام الشيخ محمود وإبعاده. أما الآن، فقد اتجهت الحكومة العراقية للتعامل مع الأكراد على حدودها الشمالية، حيث كان الشيخ أحمد، وهو آخر من بقي من نوعه تقريبا، يحكم شيروان وباروش ومزوري بالا.
وكان لدى الحكومة كل الأسباب التي تدعوها إلى التدخل، فضلا عن التأثير المزعج الذي مارسته القبائل المضطربة، مثل هذه القبائل دائما، في المناطق المستقرة. وقد تمكن الشيخ أحمد من زيادة الفوضى المحيطة به، من خلال تعقيد ديني من نوع متفاقم. وكانت قبيلته مسيحية في الأصل، ثم اعتنقت الإسلام في وقت حديث نسبيا، وقد تطور الأمر، على نحو غير مألوف في هذه المناطق الجبلية من العراق وبلاد فارس، إلى أن أصبح شقيق الشيخ، الذي سبقه، موضع تبجيل بسبب قداسته. ووفقا لشهادات كثيرة، شوهد وهو يصعد إلى السماء من مشنقة تركية في الموصل، حيث انتهت حياته الدنيوية بصورة مفاجئة.
وانتقلت عباءته إلى الشيخ أحمد، الذي أعلن فجأة أنه تجسيد إلهي، ثم هجر الإسلام كليا في الصيف الماضي، وأسس دينا خاصا به. واحتفل بتحرره وتحرر أتباعه من التعصب الديني بإقامة وليمة من لحم الخنزير، الأمر الذي صدم جيرانه المحافظين إلى حد أن سلسلة من حروب الجهاد الصغيرة بدأت ضده، فجلبت أعمال انتقام دموية وفوضى عامة إلى منطقة شيروان.
والشيخ أحمد رجل لم يبلغ الأربعين بكثير؛ أمي لكنه داهية، ويتصف بفضائل أبناء طبقته ورذائلهم، وهي صفات تشبه إلى حد بعيد صفات زعماء المرتفعات في التاريخ الاسكتلندي. وفي باروش ومزوري بالا، وهما مركزا نفوذه، تكاد سلطته تكون مطلقة إلى درجة لا تصدق. فأي شخص يصدر عليه حكما يقتل على يد أتباعه بمجرد كلمة منه. ولديه، أو بالأحرى كان لديه، حرس شخصي مؤلف من 500 رجل، وإلى جانب هؤلاء كان نحو ألف من القرويين الأكراد يعيشون متناثرين في الوديان الجبلية الخاضعة لحكمه.
وفي فصل الصيف، يصعب رؤية القرى خلف ستار من أشجار الحور والجوز والتين وغيرها من أشجار الفاكهة. وفي ذلك الفصل يغادرها السكان، ويأخذون خيامهم وقطعانهم إلى المراعي الأعلى، حيث ترتفع الجبال إلى 7,000 أو 8,000 قدم باتجاه الحدود التركية. وتصعد من الوديان الضيقة، التي تكسوها أشجار البلوط، إلى حافات طويلة شديدة الانحدار، لا توجد فيها سوى ممرات قليلة ويصعب عبورها، فيما توفر صخور الحجر الجيري المتكسرة غطاء مثاليا للقناص.
هجوم
في العام الماضي، وبعد استسلام الشيخ محمود، خططت الحكومة العراقية لإخضاع المنطقة الشمالية أيضا لسيطرتها. غير أن نقص المال والوقت أدى إلى تأجيل الخطة حتى 13 آذار من هذا العام، حينما، وبعد عدة محاولات غير مجدية للتفاوض السلمي، حشدت ثلاث كتائب من المشاة وفوجا من الفرسان و200 من أفراد الشرطة في باليكيان، بالقرب من المخرج الشرقي لمضيق رواندوز.
وكان عليهم أن يبدؤوا باحتلال شيروان حتى نهر رو كوجك، وحماية إنشاء طريق للسيارات، وإقامة مخافر للشرطة في هذه المنطقة، ثم التقدم إلى المنطقة الشديدة الوعورة في باروش ومزوري بالا، مع تأمين الاتصالات المناسبة ووجود منطقة آمنة خلفهم. وإلى جانب القوات العراقية، نقل سرب من طائرات سلاح الجو الملكي من الموصل للتعاون معها. وقد تلقى الشيخ أحمد تحذيرا من نيات الحكومة، وكان واضحا منذ البداية أنه ينوي المقاومة.
وفي اليوم الثاني من المسير، وصل الرتل إلى ميركا سور، الواقعة على حافة المنطقة غير الخاضعة للسيطرة، وبدأ بإقامة مخفر للشرطة. وعند الفجر، تعرض لهجوم شديد شنته قوة كبيرة من الكُرد، غير أنهم ردوا بحراب البنادق.
ثم تحرك الرتل إلى زاخوك، وهي قرية مرتفعة على خط تقسيم المياه، ومنها، وبعد تأخير دام ثلاثة أيام بسبب الأمطار، تحرك نزولا بمحاذاة نهر بيرسيا نحو بيرسيا، حيث كان من المخطط إقامة مخفر آخر للشرطة.
وفي أثناء التقدم عبر هذا الوادي الضيق الكثيف الأشجار، حيث لم يكن الطريق يسمح إلا بتشكيل طويل وممتد للغاية، تعرض رتل الإمدادات للهجوم. وسرعان ما تدافعت البغال، التي كان يقود معظمها سائقون مدنيون، وحمل كثير منها بعيدا. وكان الرتل الرئيس قد وصل بالفعل إلى بيرسيا، لكنه فقد معظم مؤنه وأمتعته. وتعرض رتل إمدادات ثان، أرسل من زاخوك، للهجوم أيضا، ولم يتمكن من شق طريقه، ولم ينقذ الموقف إلا سلاح الجو الملكي، الذي أرسل طائراته وأسقط المؤن في بيرسيا. وأصيب ثلاثة بريطانيين في هذه الواقعة، اثنان من رجال الطيران والمفتش العام للجيش العراقي، الجنرال روان روبنسون.
وفي 5 نيسان، عاد رتل بيرسيا إلى زاخوك، وتعرض للهجوم مرة أخرى في الممر الضيق. ورافقت الطائرات البريطانية الرتل وهاجمت الأكراد من مسافة قريبة، بينما حافظت مفرزة من القوات العراقية على موقع أعلى على جانب القوة الرئيسة، ووجهت نيران البنادق والرشاشات نحو العدو المتراجع. وفر الأكراد حاملين معهم قتلاهم وجرحاهم، الذين قدر عددهم بنحو 100. وعبروا نهر رو كوجك إلى غاباتهم، ولم يتركوا وراءهم سوى عصابات صغيرة من المقاتلين لإزعاج الرتل العراقي.
وفي الوقت نفسه، كان رتل آخر يهدد الشيخ من الجنوب. فقد تقدمت كتيبتان ومفارز من القوات المساعدة، اتخذت من بيله على نهر الزاب قاعدة لها، شمالا عبر منطقة مكشوفة إلى حد ما، واستولت على عاصمة الشيخ المهجورة، قرية بارزان. وقد تخلى الشيخ أحمد عن النصف الجنوبي الغربي كله من باروش، على امتداد ضفاف نهر الزاب، وفي صباح اليوم التالي، اقتيد الكابتن هولت إلى مكان يقع فوق آخر القرى، إلى كهف كان الشيخ يجلس فيه مع شقيقه المحارب مصطفى، الذي كان قد قاد الهجمات على رتل بيرسيا، ومع الزعماء المجتمعين في مجلس. وكانت شخصية مصطفى تطغى تماما على الجميع؛ فهو رجل ضخم منفرد، وإذا كان هو الرجل المناسب، فإنه يستطيع أن ينجز في مقابلة واحدة أكثر مما يمكن أن تنجزه خمسون رسالة رسمية.
وأطلق سراح الأسرى في نهاية المطاف من دون شروط، وبعد ساعات قلقة، حين تسببت المذبحة المؤسفة التي ارتكبها فريق من المتمردين بحق إحدى السلطات البلدية في جزء آخر من منطقة الحرب في إعادة المجموعة البريطانية الصغيرة من مدخل مضيق كلي سولي للحصول على توضيحات، عادت البعثة سالمة إلى بيله في 5 أيار.
شروط الاستسلام
في ذلك الوقت، علمت السلطات أن الشيخ أحمد طلب من أحد وجهاء الدين في منطقة دهوك، الشيخ نوري البارزاني، أن يتوسط نيابة عنه. فتوجهت السلطات على الفور إلى الشيخ نوري، الذي وافق على زيارة الشيخ أحمد بهدف معرفة ما كان الشيخ مستعدا تماما للقيام به من أجل التوصل إلى تسوية من دون أعمال عدائية أخرى.
غير أن الشيخ أحمد رفض التفاوض ما لم تسحب الحكومة أولا قواتها من المنطقة التي كانت قد احتلتها. ومن أجل منح الشيخ أحمد فرصة أخرى، أذنت السلطات للكابتن هولت بأن يكتب إليه موضحا الشروط التي عرضتها الحكومة العراقية، وهي: أن يستسلم الشيخ أحمد بضمان أن يمنح مخصصا مناسبا، ويسمح له بالعيش بسلام وشرف في مكان تحدده الحكومة، وأن يعامل إخوته معاملة مماثلة، وأن يعفى تماما كل شخص آخر غير متورط بصورة مباشرة في أية أعمال وحشية.
ومنحت هذه الرسالة الشيخ أحمد مهلة محددة مقدارها 48 ساعة. لكنه رفض قبول هذه الشروط السخية، وانتهت الهدنة في 24 أيار.
ومنذ صباح 25 أيار، كانت الطائرات تحلق باستمرار فوق حصون الشيخ أحمد. وحذر المتمردون من محاولة اللجوء إلى كهوفهم؛ فإذا حاولوا العودة إلى قراهم، فإن مكبر صوت، يعمل في منطقتهم الخاصة من الجو، يحذرهم بأن المهلة محدودة، وأن القرية ستقصف بمجرد إخلائها بعد التحذير. ويهاجم على الفور أي تجمع مسلح.
ويؤمل أن تتمكن المنطقة بهذه الوسائل من الخضوع من دون تعرضها للخراب. ويتعين على الطائرات أن تبقى قريبة من الأرض، الأمر الذي يعني في هذه الوديان العميقة الطيران بين جدران صخرية ضيقة يستطيع الأكراد منها بسهولة توجيه نيران البنادق من الجانبين. وأصيب قائد السرب هاسكل بهذه الطريقة في 25 أيار، كما فقدت طائرة أخرى منذ ذلك التاريخ.
وفي هذه الأثناء، عزز الجيش مواقعه على امتداد نهر رو كوجك في بيشوك وليريبير ورايزان، ويمضي قدما في بناء الطرق ومخافر الشرطة في جميع أنحاء المنطقة الجنوبية والغربية من هذا المركز الجبلي الذي لا يزال غير خاضع للسيطرة.
وقد انسحب الشيخ أحمد خلف سلسلة جبلية عظيمة تشبه الجدار، تسمى جياي شيرين، أي «جبل الحلاوة»، ولا يمكن الوصول إليها، باستثناء المسالك التي يتعذر سلوكها فوق القمة، إلا عن طريق مضيق يخترقه نهر رو كوجك داخل ممر ضيق للغاية.
ويعد هذا المضيق، المعروف باسم كلي سولي، حصينا في مواجهة الأعداء الذين يحاولون اقتحام مدخله، وكذلك في مواجهة الرعايا الذين يرغبون في الخروج منه وإعلان خضوعهم للحكومة، ويبدو أن عدد هؤلاء أصبح الآن كبيرا.
وقد تحصن الشيخ أحمد الآن بالقرب من جبلي ساري هورا وساري موساكا، في منطقة صخرية تقع فوق خط القرى. وكان طوال هذه المدة يتراسل مع حكومة بغداد، بل ذهب إلى حد التعهد بالحضور إلى الموصل في 6 نيسان، لكنه عدل عن تنفيذ ذلك التعهد، ربما بسبب ما يتذكره عن صعود أخيه إلى السماء من هناك.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الحكومة العراقية مقتنعة بأنها لن تتمكن من إنجاز المهمة بمفردها قبل حلول الشتاء، ولذلك تقرر محاولة إرغام الشيخ أحمد على الخضوع، من خلال فترة من النشاط المكثف يقوم بها سلاح الجو الملكي بصورة مستقلة فوق جياي شيرين والوديان الواقعة إلى شمالها. وقد أخرت الأحوال الجوية السيئة بدء هذه المرحلة الجديدة من العمليات لبضعة أيام، وخلال هذه المدة أدى الهبوط الاضطراري المؤسف لطائرة من طراز وابيتي، في 29 نيسان، إلى وقوع ضابط وطيار من سلاح الجو الملكي، هما ضابط الطيران ويلز والعريف الجوي إيفانز، في قبضة العدو.
التوجه للإنقاذ
أصيب ضابط الطيران ويلز إصابة خطيرة في كتفه أثناء الهبوط على أرض وعرة. وبعد أن أبلغ الشيخ أحمد بأن مسؤولية رعاية الأسيرين وتقديم العلاج الطبي لهما تقع عليه، عرض السماح لطبيب بالصعود إليهما بموجب ضمان للمرور الآمن.
وفي 3 أيار، أرسل مع الطبيب، قائد السرب هودجنز، ضابط سياسي بريطاني هو الكابتن هولت، الذي كان يعرف المنطقة الشمالية شخصيا، وسبق له أن حقق نجاحا في التعامل مع الشيخ محمود في العام السابق، وذلك للتفاوض، إن أمكن، بشأن إطلاق سراح الأسيرين.
وبرفقة ثلاثة فقط من المجارية المحليين العزل وعشرة بغال، سار المنقذان صعودا داخل مضيق كلي سولي، حيث استقبلهما عند المدخل 40 رجلا من رجال الشيخ أحمد، رافقوهما عبر المضيق وصعودا في الوادي لمدة ست ساعات إلى قرية خاني بوت. وهناك أنزل الأسيران بعد وقت قصير من الكهوف العليا التي كان الشيخ وأتباعه قد احتموا بها من القصف.
وقام الدكتور هودجنز، على ضوء شمعة، وبين حشد من سكان الجبال الأكراد المحيطين به، بتخدير ضابط الطيران ويلز بالكلوروفورم على أرضية أحد الأكواخ، وأعاد كتفه إلى موضعه، بعد أن كان الأكراد قد ربطوه بجلد ماعز. وقد عاملوا أسيريهم بكل ما تسمح به ظروفهم القاسية من لياقة وراحة.