من سيوتا (سبتة)… إلى مفارقة بعض المهاجرين

أ.د.شيرزاد زكريا السليڤاني

بين الحين والآخر، تعيد لنا الهجرة غير الشرعية طرح الأسئلة نفسها. وهذا ما حدث خلال الأيام الماضية، عندما حاول الاف الشبان عبور الحدود إلى مدينة سيوتا الإسبانية، حتى إن بعضهم فقد حياته وهو يحاول الوصول إلى الضفة الأخرى. وبين تلك المشاهد، لفتت الانتباه عبارة رددها بعض المهاجرين: “وداعاً المغرب… مرحباً إسبانيا”.
هذه الجملة تختصر الكثير، فهي تعني أن الإنسان مستعد لترك وطنه، ومواجهة البحر والموت والأسلاك الشائكة، لأنه يؤمن بأن هناك بلداً آخر يستطيع أن يمنحه أمناً، وعملاً، وتعليماً، ومستقبلاً أفضل.
ولا أحد يلوم إنساناً يبحث عن حياة كريمة، فالهجرة كانت وما زالت جزءاً من تاريخ البشرية، وكثير من الناس غادروا أوطانهم هرباً من الحروب أو الفقر أو غياب الفرص.
لكن ما يثير الاستغراب هو ما يحدث عند بعض المهاجرين بعد سنوات من الاستقرار.
يصل إلى أوروبا، ويحصل على الإقامة، ويعمل، ويتعلم، ويستفيد من نظامها الصحي والتعليمي، ويكبر أبناؤه في مدارسها، ويتدربون في أنديتها، وتُصقل مواهبهم بفضل مؤسساتها. ثم تسمع بعد ذلك من يصف البلد الذي احتضنه بأنه “بلد كافر”، أو يتحدث عنه وكأنه لم يقدم له شيئاً.
ليس المقصود هنا جميع المهاجرين، فالغالبية تحترم البلدان التي تعيش فيها، وتندمج في مجتمعاتها، وتلتزم بقوانينها، مع احتفاظها بحب أوطانها الأصلية. وهذا أمر طبيعي لا خلاف عليه.
لكن الحديث عن فئة تجمع بين أمرين متناقضين: الاستفادة من كل ما يقدمه البلد الجديد، وفي الوقت نفسه التقليل من شأنه أو مهاجمته أو إنكار فضله.
من حق أي إنسان أن يحب وطنه الأول، وأن يفتخر بأصله، وأن يحافظ على لغته وثقافته. ومن حقه كذلك أن يختار، وفق القوانين، المنتخب الرياضي الذي يمثله. لكن ذلك شيء، وإنكار فضل البلد الذي وفر له فرصة جديدة في الحياة شيء آخر.
فالاحترام لا يتعارض مع الانتماء، والوفاء للوطن الأول لا يعني الإساءة إلى الوطن الذي استقبلك.
أوروبا ليست مدينة فاضلة، ولديها مشكلاتها وسياساتها التي يمكن نقدها، كما أن الهجرة ليست طريقاً سهلاً، بل مليئة بالصعوبات. لكن يبقى من الإنصاف الاعتراف بأن ملايين المهاجرين وجدوا فيها ما كانوا يبحثون عنه عندما غادروا أوطانهم: الأمان، والتعليم، والعمل، وحرية أكبر في بناء مستقبلهم.
لذلك تبقى المفارقة قائمة: كيف يخاطر الإنسان بحياته للوصول إلى بلد، ثم بعد أن يستقر فيه ويحقق ما كان يحلم به، يتحول إلى التقليل من شأن ذلك البلد أو مهاجمته.
لا أحد يطلب من المهاجر أن ينسى وطنه الأول، ولا أن يتخلى عن هويته، لكن من الطبيعي كذلك ألا ينسى أن هناك مجتمعاً فتح له أبوابه عندما كانت أبواب كثيرة مغلقة.
إن مشاهد سيوتا ليست مجرد خبر عن الهجرة، بل تذكرنا بسؤال أخلاقي بسيط: هل يمكن للإنسان أن يحب وطنه الأول، وفي الوقت نفسه يحترم الوطن الذي منحه فرصة جديدة للحياة؟
أعتقد أن الجواب يجب أن يكون نعم، فليس في الأمر أي تناقض، أما التناقض الحقيقي، فهو أن يطلب الإنسان من بلد كل شيء، ثم يرفض الاعتراف بأي فضل له.

قد يعجبك ايضا