نبيل عبد الأمير الربيعي
تمر الذكرى الثالثة والأربعون لجريمة اختفاء آلاف البارزانيين، لتعيد إلى الذاكرة واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في التاريخ العراقي الحديث. إنها ليست مناسبة لاستحضار الحزن فحسب، بل وقفة تأمل أمام تجربة قاسية ينبغي أن تتحول إلى درس وطني دائم. فالأمم التي لا تواجه ماضيها بشجاعة، تبقى أسيرة له، أما تلك التي تمتلك إرادة الاعتراف بالحقيقة، فإنها تفتح الطريق نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية.
لقد شهد العراق، خلال العقود الماضية، سلسلة من المآسي التي طالت مختلف مكوناته الاجتماعية والقومية والدينية، وكان الاستبداد هو القاسم المشترك بينها جميعاً. وحين تستذكر جريمة الأنفال، فإن الحديث لا يقتصر على مأساة تخص أبناء بارزان أو الشعب الكردي وحده، وإنما يمتد ليشمل كل العراقيين الذين اكتووا بنار القمع والإقصاء وسياسات العنف المنظم. فالاستبداد لا يميز بين ضحاياه، بل يفتك بكل من يقف في طريق مشروعه القائم على الخوف وإلغاء الآخر.
في الحادي والثلاثين من تموز عام 1983، اقتادت الأجهزة الأمنية للنظام السابق آلاف الرجال والشباب والشيوخ من أبناء بارزان إلى أماكن مجهولة، قبل أن تثبت الوقائع لاحقاً أنهم كانوا ضحايا جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان. لم يكن أولئك يحملون سلاحاً، ولم تصدر بحقهم أحكام قضائية، بل كان انتماؤهم القومي والجغرافي وحده كافياً ليصبحوا أهدافاً لسياسة أرادت اقتلاع مجتمع بأكمله من جذوره.
ولم تكن تلك الجريمة استثناءً في سجل النظام السابق، بل جاءت ضمن سياسة أوسع بدأت باستهداف الكرد الفيليين عبر إسقاط الجنسية العراقية عن عشرات الآلاف منهم وتهجيرهم قسراً، ثم توالت بحملات الأنفال التي اجتاحت مناطق كرميان وبهدينان، وتُوجت بقصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية، إلى جانب سياسات التعريب والتهجير القسري التي استهدفت تغيير هوية مناطق عراقية واسعة. لقد كانت تلك الجرائم تعبيراً عن ذهنية سياسية لا ترى في التنوع الوطني ثراءً، بل تعتبره تهديداً ينبغي القضاء عليه.
ولعل أخطر ما في هذه الجرائم أنها لم تستهدف الإنسان وحده، بل حاولت محو ذاكرته أيضاً. فالقرى أزيلت، والأسر شُتت، والوثائق أخفيت، والمقابر الجماعية بقيت سنوات طويلة شاهداً صامتاً على ما جرى. غير أن الذاكرة الإنسانية أقوى من محاولات المحو، ولذلك بقيت الأنفال حاضرة في الضمير العراقي، كما بقيت رمزاً لمعاناة شعب لم يتخلَّ عن حقه في الحياة والكرامة.
لقد اعترف البرلمان العراقي، كما اعترفت مؤسسات قضائية وتشريعية في عدد من الدول، بأن حملات الأنفال تمثل جريمة إبادة جماعية. وهذا الاعتراف ليس مجرد توصيف قانوني، بل هو إقرار بأن ما حدث تجاوز حدود الانتهاكات التقليدية لحقوق الإنسان، ليدخل في نطاق الجرائم التي تستوجب المحاسبة وفق قواعد القانون الدولي، ولا يجوز أن تطوى صفحاتها بالنسيان أو بالتقادم.
لكن العدالة لا تكتمل بمجرد الاعتراف. فما زالت هناك مسؤولية أخلاقية وقانونية تقع على عاتق الدولة العراقية، تتمثل في استكمال ملفات المفقودين، والكشف عن جميع المقابر الجماعية، وتعويض ذوي الضحايا تعويضاً عادلاً، وإعادة الاعتبار لمن سُلبت منهم أبسط حقوقهم. كما أن العدالة الانتقالية لا تعني الاقتصاص من الماضي بقدر ما تعني بناء ضمانات حقيقية تمنع تكراره، عبر ترسيخ دولة المؤسسات، واستقلال القضاء، واحترام حقوق الإنسان، وتجريم كل خطاب يحرض على الكراهية أو الإقصاء.
ومن الإنصاف أن تُستذكر أيضاً المواقف الإنسانية التي رافقت تلك المحنة. فقد احتضنت مدن وبلدات عديدة العائلات الناجية، ووقفت إلى جانبها رغم صعوبة الظروف، لتثبت أن التضامن الشعبي كان دائماً أقوى من مشاريع التفريق. كما أن النساء البارزانيات قدمن نموذجاً استثنائياً في الصبر والثبات؛ تحملن الفقد، وربين أبناءهن على قيم الانتماء والكرامة، وحولن الألم إلى قوة للحياة، لا إلى دعوة للانتقام.
إن بناء العراق الجديد لا يمكن أن يقوم على ذاكرة مجزأة، تستذكر ضحايا وتنسى آخرين، أو تمنح العدالة لفئة وتحجبها عن أخرى. فكل دم عراقي أُريق ظلماً يستحق الإنصاف، وكل عائلة فقدت أبناءها تستحق أن تعرف الحقيقة، وكل مواطن تعرض للاضطهاد يستحق أن يشعر بأن دولته تقف إلى جانبه، لا أن تتركه أسيراً للخذلان.
إن إحياء ذكرى الأنفال يجب أن يكون مناسبة وطنية لترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، واحترام التعددية، والإيمان بأن التنوع القومي والديني والثقافي هو مصدر قوة للعراق، لا سبباً للصراع. فالوطن الذي يتسع لجميع أبنائه هو وحده القادر على حماية نفسه من عودة الاستبداد، أما الوطن الذي يسمح بإعادة إنتاج خطاب الكراهية، فإنه يفتح الباب لتكرار المآسي بأشكال جديدة.
بعد ثلاثة وأربعين عاماً، لا تزال الأنفال تطرح السؤال ذاته: كيف نبني دولة لا يتكرر فيها ما حدث؟ والإجابة ليست في الخطب ولا في الشعارات، وإنما في سيادة القانون، واستقلال القضاء، وصيانة الدستور، واحترام كرامة الإنسان، وترسيخ المواطنة المتساوية. تلك هي الضمانة الوحيدة التي تجعل من ذكرى الأنفال مناسبة لاستلهام العبر، لا لاستعادة المآسي.
فالضحايا الذين غابوا في صحارى العراق لم يتركوا وراءهم ذكريات حزينة فحسب، بل تركوا مسؤولية أخلاقية وتاريخية في أعناق الأجيال. ومسؤوليتنا اليوم أن نحفظ الحقيقة، وأن نكتب التاريخ كما كان، لا كما أراده الطغاة، وأن نجعل من العدالة أساساً للدولة، ومن الكرامة الإنسانية معياراً لا يجوز التنازل عنه، لأن الأوطان التي تنصف ضحاياها هي وحدها التي تستحق أن تصنع مستقبلاً آمناً لأبنائها.