قراءة فلسفية في الوجود الكوردستاني و مستحقات المستقبل

الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة، بجامعة هایدلبرغ، المانیا

يقف الوجود الكوردستاني اليوم عند لحظة فارقة تجعل من السياسة تفكيكاً لكينونة الأمة، ومن الفلسفة استنطاقاً لمصيرها. إنها ليست فقط مواجهة كلاسيكية بين جغرافيا مظلومة وتاريخ مثقل بالقسوة، بل هي ملحمة وجودية يتواجه فيها الإنسان الكوردي مع ذاته، مراهناً على تحويل أمله المؤجل إلى حقيقة تاريخية موجبة.
إن التفكير في المستقبل الكوردستاني يستدعي منا تجاوز هذه اللحظة السياسية المؤقتة، والتعمق في تفاصیل الإشكالية الوجودية التي صاغت الهوية الكوردية عبر العصور، تلك الهوية التي صمدت كالجبل العظیم الثابت بوجه محاولات المحو والتهميش.
لقد سجن الفكر السياسي في المنطقة لمدة طویلة و منع من الانطلاق و الحرکة، إلا أن التحولات الراهنة جاءت لتثبت رؤية الفیلسوف الألماني فريدريش نيتشه، حيث تتجاوز “إرادة القوة” كونها صراعاً سلطوياً لغرض الهيمنة، لتغدو طاقة حيوية تعيد خلق الذات، وتحيل الجغرافيا المظلومة من حالة الارتهان للقيود إلى حالة الفعل الخلاق.
من هنا، ولدت الهوية الكوردستانية من إرادة واعية وقوية تتجاوز ردود الفعل لتثبت حضورها الحضاري.
واليوم، يواجه هذا الأفق تحديات صعبة بين حنين تاريخي للحرية وواقع إقليمي ودولي تسيطر عليه المصالح، بينما يصر الوجود الكوردستاني الأصيل على البقاء والتعبير عن نفسه.
فلسفياً، يمكن قراءة النضال الكوردستاني من خلال مسار “الروح” عند هيجل، ذلك المسار الذي يتحرك عبر الصراع والوعي المتنامي بالحرية.
لقد تجاوزت الذات الكوردية مرحلة الاغتراب الجغرافي، لتشكل صيرورة تاريخية من الوعي المتسامي الذي يفكك جدار الحدود السياسية ويعيد بناء الهوية كوجود كلي متكامل، تندمج فيه الثقافة بالسياسة لتخلق روح أمة تسعى لإثبات حضورها الحضاري المستقل في وجه التحديات. كما يواجه هذا الطموح واقعاً إقليمياً ودولياً معقداً تحكمه المصالح، بينما يظل الإصرار على البقاء والتعبير عن الهوية هو الأساس.
بين مثالية الفلسفة الأخلاقية المتمثلة في “السلم الدائم” و”الحق الكوني” لإيمانويل كانط، وبراغماتية الواقعية السياسية، يقف الوعي الكوردي أمام حقيقة الممارسات الدولية.
وهنا يبرز البعد الفلسفي لـ “الآتي” عند الفیلسوف الفرنسي جاك دريدا، إذ يعيد تعريف المستقبل كإمكانية متجددة لا تُمْنَح من القوى العظمى، بل تبنى عبر الفعل التخطيطي والتحرر من مركزية المظلومية إلى أفق الفاعلية التاريخية.
إن إطالة أمد التعطيل السياسي ومضي أكثر من عشرين شهراً على الانتخابات دون تفعيل حيوي للبرلمان أو تشكيل حكومة تعبر عن الإرادة الشعبية، يشكل استنزافاً خطيراً للشرعية المؤسسية وتراجعاً أمام التحديات الجسام.
إن الأحزاب السياسية مدعوة اليوم، تاريخياً وفلسفياً، للتسامي فوق الحسابات الفئوية الضيقة والارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية، إذ لا يمكن لبناء مؤسسي ناضج أن يستقيم في ظل الانقسام.
فتفعيل البرلمان وتشكيل الحكومة ليسا مجرد إجراءين إداريين، بل هما تجسيد عملي لوعي الأمة بذاتها، ومدخل حقيقي لحماية التجربة الكوردستانية وترسيخ حضورها في معادلات المنطقة والعالم.
وهنا تتجلى الأهمية الاستثنائية للحكمة القيادية الوطنية في المفاصل التاريخية، كما تتجسد في رؤية ونهج الرئيس مسعود بارزاني، الذي طالما شكل مرجعية جامعة لحماية البيت الكوردستاني وترسيخ نهج الحوار عند اشتداد الأزمات.
لقد أثبتت دروس التاريخ أن تجاوز الانسدادات السياسية يتطلب حكمة تترفع عن الخلافات العابرة وتضع المصالح العليا لكوردستان فوق كل اعتبار حزبي.
وبروح هذه الحكمة القيادية، تتأكد حقيقة أن مبادرات جمع الفرقاء وتوحيد الصف والكلمة هي الركيزة الأساسية لحفظ المكتسبات الوطنية وضمان التلاحم الشعبي والمؤسسي، لكي تظل كوردستان عصية على العواصف، وقادرة على استشراف مستقبلها بصلابة ووعي.
إن صبغ الأفق بصبغة كوردستانية خالصة يعني الذهاب نحو بناء ذات سياسية ومؤسسية ناضجة، تتجاوز التشرذم الداخلي وتستند إلى ثراء الثقافة الكوردية وقيمها الإنسانية في التسامح والتعايش.
فالمستقبل في الأفق الكوردستاني لن ينشأ من الصدف، ولن يعاد رسمه بالوعود الخارجية الفضفاضة، بل سيتشكل عندما تتحول الإرادة الكوردستانية من حالة الدفاع الدائم عن الوجود إلى حالة الفعل الحضاري والسياسي المبادر.
وختاماً، فإن الأفق الكوردستاني هو المساحة الحرة التي نصنعها نحن الكورد بأنفسنا عندما نقرن عدالة قضيتنا بالحكمة الاستراتيجية والوحدة الوطنية، لبناء غدٍ يليق بتضحيات تاريخنا وعظمة جبالنا.

قد يعجبك ايضا