القبلية و سياسة حفّار الساق في جسد الدولة

د. خالد زغريت

حفار الساق آفة حشرية خطيرة تصيب الأشجار، و تؤدي إلى يباسها، وموتها. وتصعب مكافحتها بعد انتشارها وتغلغها في ساق الأشجار المثمرة، والمؤثرات الوبائية لحفار الساق تماثل ه مسار تعويم العشائرية والقبلية في الدول المعاصرة التي تجاوزت هذه المفاهيم الانتمائية التقليدية التي كانت تحضر في غياب مفهوم الدول،ة وعدالة المواطنة التي تتطلبها الدول الحديثة .
تتجاهل السلطات العربية و لا سيما ذات صبغة النظام الجمهوري شروط الدولة الحديثة ليس خياراً ذهنياً أو قيمياً ، وهو شيوع أنظمة وقوانين تتطلبها الحياة المعاصرة . و لا تدرك الفريق بين دور القبلية في مسار أنظمتها الجمهورية، وبين دورها في الدول العربية ذات الحكم الملكي إذ القبلية أصالة موضوعية في تكوين نظامها.
تلجأ بعض الأنظمة العربية إلى تعويم القبلية مدعية سعة انتشارها وفاعليتها في حركة المجتمع، وتكسيها مشروعية أخلاقية بما تحمله من قوى اجتماعية تقليدية تكمن في فاعلية الانتماء القبلي لما يتضمنه من قيم وأعراف و عادات وتقاليد أصيلة، تشكل جاذبية للمجتمع، ولا سيما في غياب أية صور انتمائية إلى الأحزاب العربية ذات البرامج المحدثة، و تهميش دور النقابات المهنية ، وإقصاء التيارات و التكتلات السياسية التي بنت جدراناً تسلطياً بينها وبين وجدان المجتمع العربي لما مارستها في حياة المجتمع ورسخت في ذاكرته من مظالم وخداع، ولا سيما الأحزاب الشمولية و القومية و اليسارية والعلمانية التي بدت في ممارستها السلطوية أكثر استبداداً واقتطاعية من أي نظام ، وعمّقت إحساس الجماهير بالتسلط الجائر ، والمخادعة بشعارات مزيفة مضللة تخفي خلفها رغبة متغولة بالتسلط والفردية الحاكمية.
لم تستطع بعض السلطات العربية التخلص من ذهنية استبدادية في مفهوم الحاكمية، ويرجع ذلك برأي “برتراند” أن الدولة العربية المعاصرة لم تنشأ من حداثة شرقية أو إسلامية، وهي مجرد احتجاجات لا تنتج نمط حداثة جديدة تلائم تطوّر الدولة المعاصرة في الغرب”.
فقد كشف “برتراند” ” عن تصوّر منهجي للدولة العربية التي يجب أن تتعامل معها السياسة العالمية. وهو يرى الدولة العربية تكويناً هجيناً من القبلية والإمارة الإسلامية التي بقيت محتفظة بمبادئ القبيلة العميقة في صبغة إسلامية مضطربة، تمثلها أفكار “الخوارج” وممارساتهم المتطرفة. وهي لا تنتج دائماً إلا احتجاجات، وهي في مراحل تاريخية، بحسب ما يرى برتراند، “تدعي امتلاك شرعية أعلى من شرعية الأمير”. وهو يتخذ مرجعيته التاريخية من ادعاء الخوارج شرعية تفوق شرعية الخليفة، ولذلك قامت حروب الخوارج ضد الدولة على هذا الأساس.
هذه الذهنية في الحكم وفق منطقها يشرّع ليقظة القبلية بدلاً من الأحزاب المعاصرة المنفتحة على ثقافات سياسية حديثة تشكل خطراً على منهج السلطات وتمكين زعامتها دينياً وقبلياً.
تستفيد السلطات الحاكمة من تفتت مجتمعاتها، وغياب ثقتها بالتيارات المغلفة بالصبغة العلمانية لما عهدته بها من تضليل واستبداد، وهذه السلطات في الوقت عينه تضمن بترويج القبلية المزيد من الانقسامات الاجتماعية وتغييب مفهوم الدولة، والمواطنة التي تتطلبها الدولة الحديثة لصالح أعراف القبلية، وقواها التي تتجاوز حدود مفهوم الدولة المركزية فهي سلطة داخل السلطة .
والزعامة القبلية تمكن لنفوذ زعاماتها باستقطاب العدد القبلي على حساب نوعيته الثقافية والعلمية والمهنية ، فتكسر سلم القيم الاجتماعية لصالح القبلية بدلاً من معايير الكوادر العلمية والمهنية، وتضمن بذلك شيوع التنازع والتناحر الاجتماعي الذي يبقي المجتمع في خنادق تقليدية تناهض حداثة المجتمع ونسجه المعاصرة ، وتكفل بذلك السلطة إطالة عمر زعامتها لانشغال المجتمع بحزام ناري يحيط به نفسه نتيجة التنافس القبلي الذي يرى وجوده في غياب الدولة الحديثة، ويُقدم فيه التنافس القبلي على قضايا الدولة البنائية . وتلك هي سياسة حفار الساق في بنية الدولة.

قد يعجبك ايضا